حمل الطلبات بدلًا من الروشتات.. حكاية الصيدلي مينا مع «لقمة العيش»
لم يكن ظهور الدكتور مينا جرجس مرتديًا خوذة عامل توصيل الطلبات على دراجته مشهدًا عابرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول خلال أيام قليلة إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تداولًا، بعدما اكتشف متابعون أن الرجل الذي يجوب الشوارع لتوصيل الطلبات ليس مجرد عامل «دليفري»، وإنما صيدلي خريج جامعة القاهرة وحاصل على دراسات عليا، اضطر إلى الجمع بين عمله المهني وعمل إضافي لمواجهة أعباء الحياة وتوفير احتياجات أسرته.
القصة فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة العمل، والضغوط الاقتصادية، ومستقبل بعض أصحاب المهن الطبية، لكنها بالنسبة لمينا كانت أبسط من كل ذلك؛ فهو يرى أن العمل ليس عيبًا، وأن الإنسان عندما يجد نفسه أمام مسؤوليات لا يمكن تأجيلها، عليه أن يتحرك ويبحث عن مصدر رزق بدلًا من انتظار تغير الظروف.
ومع انتشار قصته، تحركت نقابة صيادلة القاهرة، وعقدت اجتماعًا معه وقدمت له عدة فرص عمل في شركات ومصانع أدوية ومجال الرعاية الطبية، قبل أن يبدي مينا ميلًا إلى فرصة تتيح له التواصل المباشر مع المرضى والحركة الميدانية، بدلًا من العمل المكتبي التقليدي.
ويمكن متابعة أحدث الأخبار والقصص الإنسانية وأبرز الموضوعات التي تشغل الرأي العام عبر موقع ميكسات فور يو، وفي السطور التالية نستعرض حكاية الصيدلي مينا كاملة، بداية من الصيدلية التي بدأت منها رحلة أسرته، مرورًا بفقدان مصدر الرزق، وصولًا إلى العمل في توصيل الطلبات ثم عروض العمل التي تلقاها بعد انتشار قصته.
من هو الصيدلي مينا جرجس؟
مينا جرجس صيدلي مصري تخرج في كلية الصيدلة بجامعة القاهرة عام 2014، وواصل مسيرته العلمية والمهنية في مجال الصيدلة، قبل أن تفرض عليه ظروف الحياة البحث عن مصدر دخل إضافي.
وبحسب تصريحات إعلامية ومقربين منه، كان مينا من الطلاب المتفوقين، حتى إن نقيب صيادلة القاهرة الدكتور محمد الشيخ وصفه بأنه كان من «علامة الدفعة»، في إشارة إلى مستواه العلمي واهتمامه الكبير بالمهنة.
ولم يقتصر اهتمامه على الدراسة التقليدية للصيدلة، بل حرص على التعلم في مجالات مرتبطة بالطب والرعاية الصحية، وهو ما ظهر لاحقًا في طريقة حديثه عن المرضى ورغبته في البقاء قريبًا منهم حتى بعد حصوله على عروض للعمل في شركات دواء.
لكن مسيرته العملية لم تسر بالطريقة التي كان يتوقعها عندما بدأ دراسة الصيدلة.

صيدلية الأسرة بدأت عام 1983
يروي مينا أن ارتباط أسرته بمهنة الصيدلة يعود إلى سنوات طويلة، إذ كانت الأسرة تدير صيدلية في منطقة أرض اللواء منذ سبتمبر عام 1983.
وكانت الصيدلية مؤجرة بنظام الإيجار القديم، وظلت مصدرًا أساسيًا للعمل والدخل للأسرة على مدار سنوات، قبل أن تتغير الظروف المتعلقة بالعقار والمنطقة، وتعود الصيدلية في النهاية إلى صاحب العقار.
وبالنسبة لمينا، لم يكن فقدان الصيدلية مجرد فقدان مكان للعمل؛ إذ كانت تمثل تاريخًا عائليًا ومصدر دخل اعتادت الأسرة الاعتماد عليه.
وذكر أن والده يبلغ 74 عامًا، بينما والدته تبلغ 68 عامًا وخرجت إلى المعاش، إلى جانب وجود شقيقة له خريجة كلية التجارة، ما جعل المسؤوليات الاقتصادية أكثر وضوحًا بالنسبة إليه.
عام 2017 يغير مسار حياته
بحسب نقيب صيادلة القاهرة وتصريحات مينا، شكل عام 2017 نقطة تحول رئيسية في حياته المهنية، بعدما انتهت تجربة الصيدلية التي كانت أسرته تعمل بها.
وأوضح مينا أنه كان يمارس مهنته من خلال صيدلية والده حتى عودتها إلى المالك الأصلي، وبعدها اضطر إلى البحث عن فرص أخرى والعمل في أكثر من مكان.
لكن البحث عن الاستقرار لم يكن سهلًا.
ومع زيادة المسؤوليات الأسرية، لم يعد الاعتماد على دخل وظيفة واحدة كافيًا من وجهة نظره، خاصة أنه متزوج ولديه ولدان توأم يستعدان لمرحلة تعليمية جديدة، ما يعني مصروفات والتزامات متزايدة.
ومن هنا بدأت فكرة العمل الإضافي.
صيدلي في الصباح.. وعامل دليفري بعد الخامسة
يبدأ يوم مينا في مجال الصيدلة، لكنه لا ينتهي بانتهاء ساعات عمله الأساسية.
وبحسب روايته، يعمل في المجال الصحي خلال الفترة الصباحية، ثم بعد الساعة الخامسة مساء يرتدي خوذة التوصيل ويستقل دراجته ليبدأ عملًا ثانيًا في توصيل الطلبات.
وقد يبدو الانتقال من البالطو الأبيض إلى حقيبة الدليفري غريبًا للبعض، لكنه بالنسبة لمينا كان اختيارًا عمليًا.
فهو لم يتخل عن الصيدلة، ولم يعتبر العمل في التوصيل بديلًا نهائيًا عن تخصصه، وإنما رآه وسيلة إضافية لتوفير دخل يساعده في الوفاء بالتزاماته.
وقال في تصريحات إعلامية إن الظروف المادية كانت السبب الأساسي الذي دفعه لهذا القرار، موضحًا أن وظيفة واحدة لم تعد كافية، وأن العمل في التوصيل بالنسبة له «مش عيب ولا فيها حرمانية».
كيف بدأت قصة «الصيدلي الدليفري» على السوشيال ميديا؟
بدأت شهرة مينا بصورة غير مخطط لها.
خلال عمله في توصيل الطلبات، التقى به أحد الأشخاص ودار بينهما حديث، قبل أن يكتشف أن عامل التوصيل الذي يقف أمامه صيدلي صاحب مؤهل علمي ودراسات عليا.
وانتشر المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي سريعًا، لتتحول قصة مينا إلى مادة للنقاش والتعليقات.
بعض المتابعين عبروا عن تعاطفهم معه، وآخرون رأوا أن قصته نموذج للإصرار وعدم الاستسلام، بينما ذهب آخرون إلى مناقشة أوضاع سوق العمل ومهنة الصيدلة نفسها.
لكن مينا نفسه لم يقدم قصته باعتبارها مأساة.
بل كان تركيزه الأساسي على فكرة أن الإنسان يجب أن يعمل من أجل توفير احتياجاته مهما كانت طبيعة العمل، طالما أنه عمل مشروع ومحترم.
«كنت هجيب فلوس منين؟»
من أكثر العبارات التي لخصت موقف مينا حديثه عن السبب الذي دفعه إلى العمل في توصيل الطلبات.
وقال خلال ظهوره الإعلامي إن فترة مرت عليه شعر فيها بأنه مضطر إلى البحث عن عمل إضافي، متسائلًا ببساطة: «كنت هجيب فلوس منين؟»، قبل أن يؤكد أن وظيفة واحدة لم تكن كافية بالنسبة لظروفه والتزاماته.
وفي حديث آخر خلال اجتماع نقابة الصيادلة، أعاد التأكيد على نفس المعنى، قائلًا إن الظروف المادية هي التي دفعته للعمل عبر تطبيقات التوصيل.
ويعكس هذا الجانب من القصة واقعًا يواجهه كثير من الأشخاص الذين يلجأون إلى أكثر من وظيفة لمواجهة تكاليف الحياة.
العمل في الدليفري لم يكن عبئًا عليه
رغم الساعات الطويلة التي يقضيها في العمل، يقول مينا إنه لم ينظر إلى وظيفة التوصيل باعتبارها إهانة أو أمرًا يسبب له الحرج.
بل أشار إلى أنه يحب الحركة والتنقل، وأن هذا الجانب من شخصيته ساعده على التأقلم مع طبيعة العمل.
وأوضح أن وظيفة التوصيل، مثل أي عمل آخر، لها جوانب إيجابية وأخرى صعبة، لكنه وجد فيها فرصة للتعامل مع الناس والحركة بعيدًا عن البقاء لفترة طويلة في مكان مغلق.
كما تحدث عن شعوره بالسعادة عندما يحصل على كلمة شكر من العميل بعد إتمام الطلب، معتبرًا أن احترام العميل والتعامل الجيد معه من أهم عناصر العمل.
الصيدلي بداخله لم يختفِ
من المفارقات اللافتة في قصة مينا أن عمله خارج الصيدلية لم يمنعه من التصرف كمتخصص في الرعاية الصحية عندما احتاج أحد الأشخاص إلى المساعدة.
ويروي أنه أثناء توصيل طلب في الجيزة لاحظ وجود شخص في حالة صحية حرجة، فتوقف للاطمئنان عليه، وحاول تقييم حالته، ثم تواصل مع الإسعاف بعدما لم يجد لديه نبضًا.
هذا الموقف دفعه أيضًا إلى الاهتمام بتجديد كارنيه النقابة، خوفًا من أن يتدخل مستقبلًا لمساعدة مريض ثم يواجه مشكلة بسبب عدم تحديث أوراقه المهنية.
وتكشف الواقعة عن أن ارتباط مينا بالصيدلة والرعاية الصحية لم يكن مجرد وظيفة للحصول على راتب، وإنما جزء من اهتمامه الشخصي.
نقابة صيادلة القاهرة تدخل على الخط
مع تصاعد التفاعل على مواقع التواصل، بدأت نقابة صيادلة القاهرة التواصل مع مينا.
وقال الدكتور محمد الشيخ، نقيب صيادلة القاهرة، إن النقابة تعاملت مع القضية باعتباره أحد أبنائها، وحرصت على الاستماع إلى ظروفه والبحث عن فرصة تتناسب مع مؤهلاته.
وعُقد اجتماع في مقر النقابة بمدينة نصر يوم الأربعاء 2 سبتمبر، بحضور مينا وأعضاء مجلس النقابة، لمناقشة العروض المتاحة أمامه.
ولم يقتصر الأمر على الدعم المعنوي، بل بدأت النقابة التواصل مع شركات ومصانع أدوية وجهات تعمل في مجال الرعاية الصحية.
6 فرص عمل أمام مينا
كشفت نقابة صيادلة القاهرة عن توفير 6 فرص عمل تقريبًا أمام مينا، شملت شركات أدوية ومصانع وشركات رعاية طبية، مع تقديم رواتب وامتيازات وُصفت بأنها مجزية.
وبحسب نقيب الصيادلة، قدمت خمس شركات دواء عروضًا مباشرة له، وكان بعضها مستعدًا لاستقباله دون إجراءات طويلة أو مقابلات تقليدية.
لكن المفاجأة أن مينا لم ينجذب إلى معظم عروض شركات الأدوية.
لماذا رفض مينا بعض عروض شركات الأدوية؟
لم يكن رفض مينا لبعض العروض بسبب عدم تقديره لها، وإنما لأن طبيعة الوظائف لم تتوافق مع الصورة التي يبحث عنها.
وقال إنه لا يرغب في البقاء داخل مكان مغلق بعيدًا عن المرضى، وشرح أن شخصيته تميل إلى الحركة والتعامل المباشر مع الناس.
وفي واحدة من عباراته اللافتة، شبه نفسه بالسمكة التي لا تستطيع البقاء خارج الماء، في إشارة إلى حاجته المستمرة للحركة والتواصل.
ولهذا أبدى اهتمامًا أكبر بفرصة مختلفة في مجال الرعاية الطبية المنزلية.
عرض الرعاية الطبية المنزلية
بحسب أحدث بيان لنقابة صيادلة القاهرة، أبدى مينا موافقة مبدئية على عرض للعمل في إحدى شركات الرعاية الصحية المنزلية، وهو مجال يتيح له زيارة المرضى والتواصل معهم بصورة مباشرة، بدلًا من البقاء داخل مكتب أو مصنع.
ويبدو هذا الاختيار أقرب إلى شخصيته وخبرته.
فهو يسمح له بالاستفادة من خلفيته الصيدلية والطبية، وفي الوقت نفسه يمنحه الحركة والعمل الميداني الذي يقول إنه يفضله.
وأوضحت النقابة أن الخطوة التالية تتعلق بمراجعة تفاصيل التعاقد وضمان الحقوق قبل استكمال الإجراءات النهائية.
قصة مينا تفتح نقاشًا أوسع
تجاوزت قصة مينا حدود تجربته الشخصية، لتعيد طرح أسئلة عن العلاقة بين المؤهل العلمي وسوق العمل.
فالرجل الذي أمضى سنوات في الدراسة والتخصص وجد نفسه مضطرًا إلى العمل في مجال مختلف لتغطية التزاماته، وهو مشهد تكرر في تجارب كثير من الخريجين في مجالات مختلفة.
لكن قصته قدمت جانبًا مختلفًا أيضًا، يتمثل في رفض النظر إلى العمل اليدوي أو الخدمي باعتباره أقل قيمة من أي عمل آخر.
فمينا لم يتخل عن تخصصه، لكنه في الوقت نفسه لم ينتظر الوظيفة المثالية.
«لقمة العيش» لا تعرف المسميات
ربما كان السبب الأكبر في انتشار قصة مينا أن الجمهور وجد فيها شيئًا قريبًا من الحياة اليومية لكثير من الأسر.
فبين الدراسة والطموح والمسؤوليات، قد يجد الإنسان نفسه في مرحلة تحتاج إلى حلول مباشرة، وقد لا تتطابق هذه الحلول دائمًا مع الصورة التي رسمها لنفسه قبل سنوات.
ولهذا يرى مينا أن العمل في الدليفري لم يقلل من قيمة شهادته أو مكانته.
بل يعتبر أن قيمة الإنسان لا تتحدد بنوع العمل الذي يؤديه، وإنما بطريقة تحمله للمسؤولية واحترامه لما يقوم به.
رسالة مينا لمن فقد حلمه
وخلال حديثه عن تجربته، قدم مينا رسالة لمن يواجه تعثرًا أو فقد فرصة كان يعتمد عليها.
ودعا إلى عدم التوقف عند حلم ضاع، بل محاولة خلق حلم جديد والاستمرار في السعي، وهي الفكرة التي اختصرت تجربته منذ فقدان صيدلية الأسرة وحتى العمل في أكثر من مجال.
فبالنسبة له، لم تكن الخسارة نهاية الطريق.
بعد الصيدلية جاء العمل في أماكن أخرى، وبعدها التوصيل، ثم عادت أمامه الآن فرص جديدة في مجال الرعاية الصحية.
من التريند إلى فرصة جديدة
خلال أيام قليلة فقط، انتقلت قصة مينا من مقطع فيديو بسيط إلى اهتمام واسع على منصات التواصل، ثم إلى اجتماع رسمي داخل نقابة صيادلة القاهرة، وبعدها إلى عروض عمل من عدة جهات.
واللافت أن مينا لم يغير موقفه الأساسي بسبب الضجة.
فحتى بعد حصوله على عروض أفضل، ظل يبحث عن عمل يناسب شخصيته ويسمح له بالاستمرار في التعامل مع المرضى، وليس فقط عن وظيفة تحمل مسمى مهنيًا أفضل.
وبحسب آخر التطورات، يميل الصيدلي إلى فرصة العمل في مجال الرعاية الطبية المنزلية، مع استمرار مراجعة تفاصيل العرض قبل استكمال التعاقد.
قصة «الصيدلي الدليفري».. العمل ليس عيبًا
في النهاية، لم تعد قصة الدكتور مينا جرجس مجرد حكاية صيدلي يعمل في توصيل الطلبات.
فهي قصة رجل قرر ألا يترك الظروف تمنعه من الوفاء بمسؤولياته، فجمع بين علمه ومهنته الأساسية وبين عمل آخر يدر عليه دخلًا إضافيًا.
كما أنها قصة تؤكد أن الظروف المهنية يمكن أن تتغير، لكن ذلك لا يعني أن يتوقف الإنسان عن البحث عن بدائل.
وبين الروشتات وحقيبة الطلبات، ظل مينا يحتفظ بهويته كصيدلي، وفي الوقت نفسه لم يخجل من العمل على دراجته في شوارع القاهرة، معتبرًا أن «لقمة العيش» تستحق السعي ما دام الطريق إليها مشروعًا.
واليوم، وبعدما حولته مواقع التواصل الاجتماعي إلى واحد من أبرز الوجوه التي تحدث عنها الجمهور، بات أمامه طريق جديد يمكن أن يعيده إلى مجال الرعاية الصحية بصورة تتوافق أكثر مع طموحاته وشخصيته.
ويمكن متابعة آخر الأخبار والقصص الإنسانية والتريندات وأحدث مستجدات قصة الصيدلي مينا جرجس عبر موقع ميكسات فور يو، للتعرف على التطورات الجديدة وما إذا كان سيبدأ بالفعل عمله الجديد في مجال الرعاية الطبية المنزلية.
