بمجرد رؤية شخص يتثاءب.. لماذا تجد نفسك تفعل الشيء نفسه؟
قد يحدث أن تجلس بجوار شخص يتحدث معك، وفجأة تراه يتثاءب، وبعد ثوانٍ قليلة تجد نفسك تفعل الشيء نفسه دون أن تشعر، وهي ظاهرة شائعة يعرفها كثيرون باسم التثاؤب المعدي. ولا يقتصر الأمر على رؤية التثاؤب فقط، فقد يبدأ لدى بعض الأشخاص بمجرد سماع صوت التثاؤب أو حتى التفكير فيه.
ورغم أن التثاؤب سلوك طبيعي يحدث بصورة تلقائية، فإن انتقاله من شخص إلى آخر ظل لسنوات موضوعًا مثيرًا لاهتمام الباحثين، خاصة أن الظاهرة ترتبط بالتفاعل الاجتماعي والانتباه والتعاطف لدى الإنسان.
ويستعرض موقع ميكسات فور يو في هذا التقرير سبب شعورك بالرغبة في التثاؤب بمجرد رؤية شخص آخر يتثاءب، وما الذي توصل إليه العلماء بشأن هذه الظاهرة، وهل تعني بالضرورة أنك تشعر بالنعاس.
ما هو التثاؤب المعدي؟
التثاؤب المعدي هو ميل الشخص إلى التثاؤب بعد رؤية شخص آخر يتثاءب، ويعد من السلوكيات اللا إرادية التي يمكن أن تحدث دون تخطيط أو تفكير مسبق.
ويحدث التثاؤب في الأساس بصورة طبيعية لدى الإنسان، وقد يظهر عند الشعور بالنعاس أو الملل أو الانتقال بين حالات اليقظة والراحة. لكن عندما يرتبط التثاؤب بمشاهدة شخص آخر يقوم بالسلوك نفسه، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا من مجرد الشعور بالتعب.
وتشير الدراسات إلى أن رؤية التثاؤب قد تكون محفزًا قويًا لحدوث التثاؤب لدى بعض الأشخاص، بينما لا يستجيب آخرون بالطريقة نفسها، وهو ما يعني أن الظاهرة تختلف من شخص إلى آخر.
لماذا نتثاءب عندما نرى شخصًا يتثاءب؟
لا توجد إجابة واحدة نهائية تفسر الظاهرة، لكن الباحثين طرحوا عدة تفسيرات مرتبطة بطريقة عمل الدماغ والتفاعل الاجتماعي.
أحد التفسيرات يشير إلى أن الدماغ يمتلك آليات تساعد الإنسان على محاكاة بعض السلوكيات التي يراها لدى الآخرين بصورة تلقائية. وعندما يرى الشخص حركة التثاؤب، يمكن أن يستجيب دماغه لهذا السلوك من خلال تنشيط الاستعداد للقيام به.
وهذا النوع من الاستجابة يظهر في العديد من المواقف الاجتماعية، إذ يميل الإنسان إلى تقليد بعض تعبيرات الوجه والحركات ونبرة الصوت بصورة غير واعية.

هل التثاؤب المعدي له علاقة بالتعاطف؟
ارتبط التثاؤب المعدي في بعض الدراسات بمفهوم التعاطف، لأن الإنسان قد يكون أكثر قابلية لمحاكاة بعض سلوكيات الأشخاص الذين يشعر بالقرب منهم.
وقد لاحظ الباحثون أن الأشخاص قد يستجيبون بصورة أكبر لتثاؤب أفراد الأسرة أو الأصدقاء مقارنة بالأشخاص الغرباء في بعض الظروف، ما دفع إلى دراسة العلاقة بين التثاؤب والتفاعل الاجتماعي.
لكن هذا لا يعني أن الشخص الذي لا يتثاءب عند رؤية الآخرين يفتقر إلى التعاطف، ولا يمكن استخدام التثاؤب المعدي كاختبار لتحديد شخصية الإنسان أو مستوى مشاعره تجاه الآخرين.
فالظاهرة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها درجة الانتباه، والعمر، والحالة النفسية، ودرجة التعب، وطبيعة العلاقة بين الأشخاص.
هل رؤية التثاؤب تعني أنك متعب؟
ليس بالضرورة.
قد يحدث التثاؤب نتيجة الشعور بالنعاس أو قلة النوم، لكن التثاؤب المعدي يمكن أن يحدث حتى عندما لا يكون الشخص بحاجة فعلية إلى النوم.
فعندما ترى شخصًا يتثاءب، قد تستجيب تلقائيًا للمشهد، حتى إذا كنت في حالة يقظة ونشاط.
ولهذا فإن التثاؤب بعد مشاهدة شخص آخر لا يعني تلقائيًا أن الجسم يطلب النوم، وإنما قد يكون مجرد استجابة عصبية وسلوكية للمثير الذي رأيته.
هل يمكن أن يحدث التثاؤب بمجرد سماعه؟
نعم، لا يشترط دائمًا رؤية الشخص الذي يتثاءب حتى يشعر الآخر بالرغبة في التثاؤب.
فبعض الأشخاص قد يتثاءبون عند سماع صوت التثاؤب، بينما يمكن أن تحدث الاستجابة لدى البعض بمجرد قراءة كلمة مرتبطة بالتثاؤب أو التفكير في السلوك نفسه.
وهذا يوضح مدى قوة الارتباط بين الانتباه والدماغ والسلوك التلقائي.
ولهذا السبب ربما تجد نفسك تتثاءب أثناء قراءة هذا التقرير، خاصة بعدما أصبح تركيزك منصبًا على التثاؤب نفسه.
ما علاقة الدماغ بالتثاؤب؟
التثاؤب عملية معقدة نسبيًا، ولا يقتصر على فتح الفم واستنشاق الهواء، إذ يتضمن مجموعة من الحركات العضلية والتغيرات الفسيولوجية.
وتشارك مناطق مختلفة من الدماغ في تنظيم السلوكيات التلقائية، كما يمكن للمثيرات الخارجية أن تؤثر في استعداد الإنسان للتثاؤب.
ويرى الباحثون أن التثاؤب قد يرتبط أيضًا بانتقالات معينة في مستوى الاستثارة والانتباه، مثل الانتقال من الاسترخاء إلى النشاط أو العكس.
وكانت هناك تفسيرات قديمة تربط التثاؤب بمحاولة الجسم الحصول على كمية أكبر من الأكسجين، إلا أن الأدلة الحديثة لا تدعم ببساطة فكرة أن التثاؤب يحدث لأن الدماغ يحتاج إلى الأكسجين فقط.
هل التثاؤب يساعد على تنظيم حرارة الدماغ؟
طرح العلماء خلال السنوات الماضية فرضية أخرى ترى أن التثاؤب قد يكون له دور في تنظيم درجة حرارة الدماغ.
وبحسب هذه الفرضية، فإن عملية التثاؤب وما يصاحبها من حركة عضلات الوجه وتغيرات في تدفق الدم قد تساعد في التأثير على درجة حرارة الدماغ.
لكن هذه الفكرة ما زالت موضوعًا للبحث العلمي، ولا يمكن اعتبارها تفسيرًا نهائيًا لجميع أسباب التثاؤب.
ومن هنا يتضح أن التثاؤب ليس سلوكًا بسيطًا كما يبدو، بل يرتبط بمجموعة من العمليات العصبية والفسيولوجية التي لا تزال محل دراسة.
لماذا لا يتثاءب الجميع عندما يرون شخصًا يتثاءب؟
إذا شاهدت شخصًا يتثاءب ولم تشعر بالرغبة في التثاؤب، فهذا أمر طبيعي تمامًا.
فالتثاؤب المعدي ليس استجابة تحدث لدى الجميع في كل مرة، كما تختلف درجة الاستجابة من شخص إلى آخر ومن موقف إلى آخر.
وقد يكون الشخص شديد التركيز في شيء معين، أو غير منتبه تمامًا إلى الشخص الآخر، أو لا يكون في حالة تجعل محاكاة السلوك الاجتماعي أكثر احتمالًا.
كما أن مستوى التعب والانتباه والظروف المحيطة يمكن أن تلعب دورًا في حدوث التثاؤب.
هل التثاؤب المعدي موجود لدى الحيوانات؟
لم تقتصر ملاحظات التثاؤب المعدي على الإنسان، فقد رصد الباحثون سلوكًا مشابهًا لدى بعض الحيوانات، وهو ما أثار اهتمام العلماء بدراسة العلاقة بين التثاؤب والتواصل الاجتماعي.
وقد ظهرت دراسات تناولت التثاؤب المعدي لدى أنواع مختلفة من الحيوانات الاجتماعية، وناقشت إمكانية ارتباطه بآليات المحاكاة والانتباه والتفاعل بين أفراد المجموعة.
لكن لا يمكن ببساطة افتراض أن الأسباب النفسية أو الاجتماعية لدى الحيوانات مطابقة تمامًا لما يحدث عند الإنسان، ولذلك ما زالت هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من البحث.
هل التثاؤب معدٍ فعلًا؟
وصف التثاؤب بأنه «معدٍ» لا يعني أنه ينتقل مثل العدوى أو الفيروسات.
المقصود هو أن رؤية أو سماع تثاؤب شخص آخر قد تزيد احتمالية أن يتثاءب الشخص المقابل بصورة تلقائية.
أي أن الأمر يتعلق بمحاكاة سلوكية واستجابة عصبية، وليس انتقال مرض أو مادة معدية بين الأشخاص.
ولهذا لا داعي للقلق إذا وجدت نفسك تتثاءب بعد شخص آخر، فهذه الظاهرة شائعة وطبيعية لدى البشر.
متى يكون التثاؤب علامة تستحق الانتباه؟
رغم أن التثاؤب أمر طبيعي في معظم الحالات، فإن تكراره بصورة مبالغ فيها مع الشعور المستمر بالنعاس أو الإرهاق قد يستحق الانتباه.
فإذا كان الشخص ينام لفترة كافية ومع ذلك يعاني من نعاس شديد ومتكرر خلال النهار، فمن الأفضل تقييم أسباب المشكلة، خاصة إذا كانت تؤثر على العمل أو الدراسة أو القيادة.
ولا يعني ذلك أن كثرة التثاؤب تشير بالضرورة إلى مرض معين، لكن الأعراض المصاحبة هي التي تحدد ما إذا كان الأمر يستدعي استشارة الطبيب.
هل يمكن منع التثاؤب المعدي؟
يصعب التحكم في التثاؤب المعدي لأنه يحدث بصورة تلقائية، لكن تحويل الانتباه إلى نشاط آخر قد يقلل احتمالية الاستجابة لدى بعض الأشخاص.
كما أن الحصول على نوم جيد ومنتظم يساعد على تقليل التثاؤب المرتبط بالنعاس والإرهاق.
وبصفة عامة، لا توجد حاجة لمحاولة منع التثاؤب الطبيعي، فهو سلوك فسيولوجي شائع، ولا يمثل مشكلة في حد ذاته لدى الشخص السليم.
لماذا نتثاءب بمجرد التفكير في التثاؤب؟
من أكثر الأمور المثيرة في الظاهرة أن مجرد الحديث عن التثاؤب قد يجعل الشخص يشعر بالرغبة في التثاؤب.
ويرتبط ذلك على الأرجح بآليات الانتباه والارتباط الذهني؛ فعندما يصبح مفهوم التثاؤب حاضرًا في ذهنك، قد تزداد ملاحظتك للإحساس المرتبط به أو استعدادك لمحاكاة السلوك.
ولهذا السبب يمكن أن تكون قراءة موضوع كامل عن التثاؤب كافية لجعل بعض القراء يتثاءبون بالفعل.
التثاؤب المعدي ظاهرة طبيعية
في النهاية، فإن شعورك بالرغبة في التثاؤب بمجرد رؤية شخص آخر يتثاءب ليس أمرًا غريبًا، بل ظاهرة معروفة باسم التثاؤب المعدي، وترتبط بطريقة عمل الدماغ وآليات الانتباه والمحاكاة والتفاعل الاجتماعي.
ورغم وجود العديد من النظريات العلمية التي تحاول تفسير سبب حدوثها، فإن العلماء لم يتوصلوا إلى تفسير واحد يشرح كل جوانب التثاؤب المعدي حتى الآن.
كما أن التثاؤب لا يعني دائمًا أنك تشعر بالنعاس، فقد يحدث نتيجة مشاهدة شخص آخر أو سماع صوته يتثاءب، أو حتى التفكير في التثاؤب نفسه. لذلك، إذا وجدت نفسك تتثاءب أثناء قراءة هذا المقال، فأنت ببساطة تعرضت لأحد أكثر السلوكيات البشرية شيوعًا وإثارة للفضول.
ويحرص موقع ميكسات فور يو على تقديم الموضوعات الصحية والعلمية التي تساعد القراء على فهم الظواهر اليومية بطريقة مبسطة، إلى جانب أحدث الأخبار والمعلومات التي تهم الجمهور.
