هل يجوز للأب أن يدفع من زكاة ماله إلى ابنه لسداد ديونه؟.. دار الإفتاء تجيب
تُعد الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد حدد الشرع مصارفها والجهات التي يجوز توجيهها إليها، بما يضمن وصولها إلى مستحقيها وتحقيق الغرض منها في مساعدة الفقراء والمحتاجين وأصحاب الحاجات.
ومن المسائل التي يكثر السؤال عنها حالة وجود ابن عليه ديون ولا يستطيع سدادها، بينما يكون والده ممن تجب عليه زكاة المال، فيتساءل الأب: هل يجوز أن أخرج زكاة مالي وأعطيها لابني لسداد ديونه؟ وهل يُعد الابن في هذه الحالة من «الغارمين» الذين يستحقون الزكاة؟
وقد أجابت دار الإفتاء المصرية عن هذه المسألة في فتوى حديثة بتاريخ 22 يوليو 2026، موضحة الحكم الشرعي لهذه الحالة والسبب وراءه.
هل يجوز للأب إعطاء ابنه من زكاة المال لسداد الدين؟
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الأب لا يجوز له دفع زكاة ماله إلى ابنه الغارم لسداد ديونه، حتى إذا كان الابن مدينًا ولا يملك المال الكافي للوفاء بدينه.
وأرجعت دار الإفتاء ذلك إلى وجود اتصال في المنافع المالية بين الأب وابنه، وإلى شبهة عودة نفع الزكاة إلى الأب، وهو ما يجعل إخراج الزكاة للابن في هذه الحالة غير جائز وفق ما انتهت إليه الفتوى.
وبالتالي، فإن مجرد كون الابن مدينًا لا يعني تلقائيًا أن الأب يستطيع احتساب المبلغ الذي يدفعه إليه من زكاة ماله.
ما السبب في منع إعطاء الابن من زكاة الأب؟
تقوم المسألة على مبدأ مهم في أحكام الزكاة، وهو أن المال الذي يخرجه المزكي من زكاته يجب أن يصل إلى مستحقه بطريقة لا تعود فائدتها إلى المزكي نفسه.
وترى دار الإفتاء أن وجود علاقة مالية مباشرة بين الأب وابنه تجعل إعطاء الزكاة للابن في هذه الصورة محل منع؛ لأن الأب قد يكون مسؤولًا أصلًا عن الإنفاق على ابنه المحتاج بحسب حال الابن والأب، وبالتالي لا يصح أن يجعل الزكاة التي وجبت في ماله بديلًا عن النفقة أو الالتزام المالي الذي قد يكون واجبًا عليه.
وتوضح دار الإفتاء في فتوى أخرى أن الأصل في إعطاء الزكاة للأقارب أن يكونوا ممن لا تلزم المزكي نفقتهم، أما الوالد والولد فمن القرابات التي توجد فيها أحكام خاصة بالنفقة.

هل الابن المدين من الغارمين المستحقين للزكاة؟
نعم، الغارمون أحد مصارف الزكاة، ولذلك يمكن للشخص المدين المستحق أن يحصل على الزكاة لسداد دينه إذا توافرت فيه شروط الاستحقاق.
لكن المشكلة في الحالة محل السؤال ليست في كون الابن مدينًا، وإنما في كون الشخص الذي يريد دفع الزكاة إليه هو والده.
فلو كان الابن الغارم مستحقًا للزكاة من حيث الأصل، فإن ذلك لا يعني جواز أن يعطيه الأب من زكاته؛ لأن العلاقة بينهما وأحكام النفقة تحول دون ذلك وفق فتوى دار الإفتاء المصرية.
هل يستطيع الأب مساعدة ابنه في سداد الدين؟
نعم، وهنا أكدت دار الإفتاء أمرًا مهمًا، وهو أن منع دفع الزكاة لا يعني منع الأب من مساعدة ابنه.
فقد أوضحت الفتوى أن الأب يستطيع أن يساعد ابنه الغارم على سداد دينه من ماله الخاص، دون أن يحتسب هذا المبلغ من زكاة المال.
وتعتبر هذه المساعدة من البر والصلة والإحسان إلى الابن، خاصة إذا كان الابن في حاجة حقيقية إلى المساعدة ولا يستطيع الوفاء بدينه من موارده الخاصة.
وبذلك يستطيع الأب الجمع بين أداء فريضة الزكاة في مصارفها الشرعية وبين مساعدة ابنه من ماله الخاص.
ما الفرق بين الزكاة والصدقة في هذه الحالة؟
من المهم التفريق بين الزكاة والصدقة؛ لأن الحكم يختلف بينهما.
فالزكاة فريضة مالية لها مصارف محددة وشروط وضوابط، ولا يجوز للمسلم أن يوجهها إلى من لا يستحقها شرعًا.
أما الصدقة التطوعية فهي أوسع من حيث الجهات التي يمكن إعطاؤها لها، ويجوز للإنسان أن يتصدق على أقاربه وأصوله وفروعه بحسب الأحكام الشرعية، وتكون في هذه الحالة صدقة وصلة رحم.
وقد أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الصدقة التي تكون زائدة على أموال الزكاة يجوز دفعها للأصول والفروع، حتى لو كانوا أغنياء، وتكون حينها صدقة وصلة.
لذلك، إذا أراد الأب مساعدة ابنه على سداد الدين، فيمكنه استخدام ماله الخاص، سواء باعتباره مساعدة أو صدقة، دون أن يخصم المبلغ من الزكاة الواجبة عليه.
هل يجوز للأب أن يسدد دين ابنه مباشرة؟
إذا أراد الأب مساعدة ابنه، فيمكنه سداد الدين من ماله الخاص، سواء أعطى المال لابنه أو دفعه إلى صاحب الدين بحسب الحالة.
لكن ينبغي التفريق بين السداد من المال الخاص وبين احتساب المبلغ من الزكاة.
فالأول جائز في إطار البر والصلة ومساعدة الابن، بينما الثاني غير جائز وفق الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية في هذه المسألة.
ماذا لو كان الابن فقيرًا ولا يستطيع الإنفاق على نفسه؟
إذا كان الابن فقيرًا أو محتاجًا، فإن مسألة النفقة عليه تخضع لأحكامها الشرعية الخاصة، ولا يجوز للأب أن يستبدل النفقة الواجبة عليه، إن كانت واجبة، بإخراج الزكاة له.
وتوضح دار الإفتاء أن نفقة الأولاد قد تجب على الأب بحسب حال الأب والابن وحاجة الابن، وأن الإنفاق على الأبناء المحتاجين يختلف عن الصدقة التطوعية أو الزكاة.
وهذا يوضح سبب أهمية معرفة نوع المال الذي يريد الأب دفعه: هل هو زكاة واجبة، أم نفقة، أم صدقة تطوعية؟
ماذا عن الابن البالغ؟
بلوغ الابن لا يعني بالضرورة انتهاء كل مسؤولية مالية للأب عنه في جميع الأحوال.
فالحكم يتأثر بحالة الابن المالية ومدى حاجته، وقد أشارت دار الإفتاء إلى أن نفقة الأولاد والأحفاد قد تكون واجبة على الشخص إذا كانوا محتاجين وكان هو موسرًا، وفق الضوابط الشرعية.
لذلك لا يمكن إصدار حكم واحد على كل الحالات لمجرد أن الابن أصبح بالغًا، وإنما ينبغي النظر إلى مدى حاجته وقدرته على الكسب والإنفاق، وإلى قدرة الأب المالية.
هل يمكن إعطاء الابن الزكاة من شخص آخر؟
إذا كان الابن مستحقًا للزكاة باعتباره من الغارمين، فقد يجوز لشخص آخر مستحق عليه إخراج الزكاة أن يعطيه منها، إذا توافرت شروط الاستحقاق ولم توجد موانع أخرى.
وهنا يختلف الأمر عن الأب؛ لأن الشخص الآخر لا تكون عليه بالضرورة مسؤولية نفقة الابن، وبالتالي يمكن أن يدخل الابن في أحد مصارف الزكاة إذا انطبقت عليه شروط الاستحقاق.
وقد أكدت دار الإفتاء في فتاوى متعددة أن الزكاة يجوز إعطاؤها للأقارب الذين لا تلزم المزكي نفقتهم، بل إن القريب المحتاج قد يكون أولى من غيره عند استحقاقه.
ما المقصود بالغارمين؟
الغارمون هم من عليهم ديون ويحتاجون إلى المساعدة في الوفاء بها، وقد جعل الشرع الغارمين أحد مصارف الزكاة.
لكن وصف الشخص بأنه «غارم» لا يعني أن كل مدين يستحق الزكاة بصورة تلقائية، بل لا بد من تحقق شروط الاستحقاق المتعلقة بالدين والحاجة والقدرة المالية وغيرها من الضوابط الفقهية.
كما أن وجود الدين لا يعطي المزكي الحق في دفع زكاته إلى أي مدين يختاره، وإنما يجب مراعاة المصارف الشرعية والعلاقة بين المزكي والمستفيد.
هل يمكن للأب إعطاء ابنه صدقة بدل الزكاة؟
نعم، إذا كان المقصود صدقة تطوعية من المال الخاص، فيجوز للأب أن يساعد ابنه المحتاج، وتكون هذه المساعدة من البر والصلة.
وقد فرقت دار الإفتاء المصرية بوضوح بين الزكاة والصدقة؛ فالصدقة التطوعية يجوز إعطاؤها للأصول والفروع، بخلاف الزكاة التي تخضع لضوابط ومصارف محددة.
ومن ثم، فإن الأب الذي يريد مساعدة ابنه في سداد ديونه أمامه طريق واضح: أن يدفع له من ماله الخاص، دون اعتبار هذا المبلغ جزءًا من زكاته.
هل يجوز اعتبار مساعدة الابن من زكاة السنوات السابقة؟
لا ينبغي اعتبار المساعدة المقدمة للابن من المال الخاص زكاةً بأثر رجعي إذا لم تكن قد أخرجت وفق شروط ومصارف الزكاة.
فالزكاة عبادة مالية لها نية ومصرف شرعي، ولذلك يجب على المسلم عند إخراجها أن يتحرى استحقاق المستفيد.
أما إذا كان الأب قد دفع لابنه مالًا من قبل بنية المساعدة ولم يكن يقصد إخراجه زكاة، فلا يصح ببساطة تغيير وصف المبلغ بعد ذلك واعتباره زكاة دون تحقق شروطها.
ماذا يفعل الأب إذا أراد مساعدة ابنه وفي الوقت نفسه إخراج الزكاة؟
يمكن للأب أن يفصل بين الأمرين بشكل واضح.
أولًا: يحسب زكاة ماله المستحقة عليه ويخرجها إلى مستحقيها وفق المصارف الشرعية.
ثانيًا: إذا كان ابنه يحتاج إلى المساعدة في سداد الدين، يمكنه أن يساعده من ماله الخاص، دون احتساب هذه المساعدة ضمن مبلغ الزكاة.
وبذلك يكون الأب قد أدى الزكاة في مصرفها، وفي الوقت نفسه قام بواجبه الأخلاقي والإنساني تجاه ابنه المحتاج.
هل يجوز دفع زكاة الأب إلى الابن لسداد ديونه؟
بحسب دار الإفتاء المصرية، لا يجوز للأب أن يدفع من زكاة ماله إلى ابنه الغارم لسداد ديونه، حتى لو كان الابن مدينًا ولا يجد ما يكفي للوفاء بدينه؛ وذلك بسبب اتصال المنافع المالية بين الأب وابنه وشبهة عودة نفع الزكاة إلى الأب.
لكن هذا المنع لا يعني أن الأب لا يستطيع مساعدة ابنه، بل يمكنه أن يسدد عنه الدين أو يعطيه المال من ماله الخاص، وتكون هذه المساعدة من البر والصلة.
كما أن الابن المدين قد يكون من الغارمين الذين يستحقون الزكاة من شخص آخر إذا توافرت فيه شروط الاستحقاق، لأن الحكم هنا يتعلق بمصدر الزكاة وعلاقة المزكي بالمستفيد.
ومن المهم عند وجود حالة مالية خاصة أو تفاصيل تتعلق بالنفقة والدين والزكاة، الرجوع إلى دار الإفتاء أو أحد العلماء الموثوقين لمعرفة الحكم المناسب للحالة بالتحديد.
ويحرص موقع ميكسات فور يو على تقديم المعلومات الدينية والتوعوية بصورة مبسطة، مع الاعتماد على الفتاوى الرسمية والمصادر الموثوقة لتوضيح الأحكام التي تهم الأسرة والمجتمع.
