هل يجوز للزوجة أخذ جزء من مصروف البيت دون علم زوجها؟ أمين الفتوى يجيب
يثير هذا السؤال جدلًا واسعًا داخل كثير من البيوت: هل يجوز للزوجة أن تأخذ جزءًا من مصروف البيت الذي يعطيه لها الزوج، وتحتفظ به أو تتصرف فيه دون أن تخبره؟ ويزداد الجدل حين يكون الأمر مرتبطًا بفائض من مصروف المنزل، أو بادخار تحاول الزوجة أن تحفظ به البيت من الأزمات، أو في حالات تشعر فيها أن الزوج قد لا ينتبه إلى احتياجات قادمة. لكن الحكم الشرعي في هذه المسألة ليس عشوائيًا، ولا يبنى على النية الطيبة وحدها، بل يرتبط بطبيعة المال نفسه: هل هو مخصص للإنفاق على البيت؟ أم هو مال أعطاه الزوج لزوجته على سبيل التمليك؟ وهل هناك عرف قائم بين الزوجين أن ما يتبقى من المصروف يكون للزوجة؟ أم أن الأصل أن هذا المال أمانة تنفقه في موضعه فقط؟ تقارير صحفية حديثة نقلت عن أمناء فتوى بدار الإفتاء المصرية أن الحكم يختلف بحسب الغرض من المال وبحسب الاتفاق أو العرف بين الزوجين، وأن الأصل في غير ذلك أن الزوجة مؤتمنة على هذا المال ولا يجوز لها أخذ شيء منه لنفسها دون علم الزوج، إلا في حالات خاصة تتعلق بتقصير الزوج في النفقة الواجبة.
وتأتي أهمية هذه المسألة من أنها تمس الحياة اليومية مباشرة، لأن مصروف البيت ليس مبلغًا رمزيًا أو تفصيلًا هامشيًا، بل هو جزء من المسؤولية المالية داخل الأسرة. والخلط هنا يقع كثيرًا بين أمرين مختلفين تمامًا: الأول أن يكون الزوج قد أعطى زوجته مبلغًا لتدبير شؤون المنزل، فتكون أمينة على إنفاقه في موضعه. والثاني أن يكون قد ملّكها مالًا أو اتفق معها صراحة أو عرفًا على أن ما يتبقى منه يكون حقًا لها، فهنا يختلف الحكم. ولهذا فإن الجواب الدقيق لا يكون بكلمة واحدة مثل “يجوز” أو “لا يجوز” على إطلاقه، بل يحتاج إلى تفصيل يرفع الالتباس ويمنع الظلم بين الطرفين. دار الإفتاء المصرية قررت في فتوى أقدم أن الزوجة إذا كان زوجها ينفق عليها وعلى أولادها ما يكفيهم، فلا يحق لها أن تخونه في شيء من ماله، لأنها أمينة عليه، بينما نقلت تقارير حديثة عن أمين الفتوى أن بقاء شيء من مصروف البيت قد يجوز للزوجة التصرف فيه إذا كان هذا هو العرف بينهما أو الاتفاق القائم داخل الأسرة.
ما الذي قاله أمين الفتوى في هذه المسألة؟
بحسب ما نقلته مواقع إخبارية مصرية خلال أبريل 2026 عن أمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فإن الحكم يدور على غرض المال وعلى العرف أو الاتفاق بين الزوجين. الشيخ عويضة عثمان أوضح أن أخذ الزوجة جزءًا من مصروف البيت دون علم زوجها يستلزم منها إخباره وطلب السماح منه، باعتبار ذلك من باب الأمانة، وقد يتسامح الزوج في مثل هذه الأمور في إطار المودة. لكنه أكد في الوقت نفسه أنه إذا كانت العادة بين الزوجين قائمة على أن ما يتبقى من مصروف البيت يكون للزوجة، فلا حرج عليها في التصرف فيه دون مراجعة، أما في الأصل فإنها مؤتمنة على المال، وعليها أن ترعاه وتنفقه في الغرض المخصص له. كما نقلت تقارير أخرى عن الشيخ حسن اليداك المعنى نفسه تقريبًا، مع التشديد على أن حفظ مال الزوج من حقوق الأمانة بين الزوجين.
وهنا تظهر قاعدة مهمة جدًا: ليس كل ما يدخل يد الزوجة من مال الزوج يصبح ملكًا شخصيًا لها. فقد يكون المال معطًى للإنفاق، لا للتمليك. وهذا الفارق هو الذي يصنع الحكم. فإذا أعطاها الزوج مبلغًا وقال أو جرى العرف أنه “مصروف البيت”، فهذا يعني غالبًا أنه مخصص للطعام والشراب ومستلزمات المنزل وما شابه، وليس مالًا خاصًا بها تحتفظ منه بما شاءت دون علمه، إلا إذا كان بينهما اتفاق أو عرف مستقر على غير ذلك. أما إذا أعطاها مبلغًا على سبيل الهدية أو المصروف الشخصي أو نصّ على أنه لها، فحينها يصبح الأمر مختلفًا لأن المال قد خرج عن كونه أمانة منزلية إلى كونه تمليكًا صريحًا. وهذا ما يفسر لماذا كان أمين الفتوى حريصًا على التفريق بين الحالتين.
متى يجوز للزوجة أن تأخذ من المصروف دون حرج؟
الحالة الأولى التي لا يظهر فيها حرج هي وجود اتفاق صريح بين الزوجين على أن ما يتبقى من مصروف البيت يكون للزوجة. وبعض البيوت بالفعل تسير على هذا الأساس؛ يعطي الزوج مبلغًا شهريًا، وتدير الزوجة به البيت، وما توفر منه يكون لها مقابل حسن التدبير. إذا كان هذا معروفًا ومقبولًا بينهما، فلا توجد خيانة للأمانة هنا، لأن الإذن حاصل إمّا صراحة وإمّا عرفًا. وقد أكدت التقارير المنقولة عن أمين الفتوى هذا المعنى بوضوح.
الحالة الثانية هي أن يكون الزوج قد ملّكها المال أصلًا، بمعنى أنه قال لها إن هذا المال لها أو أعطاها مصروفًا شخصيًا مستقلًا عن مصروف البيت، فحينئذ يجوز لها أن تدخر منه أو تنفقه أو تتصرف فيه لأنه أصبح حقها. كثير من النزاعات تقع لأن الزوج يظن أن كل ما في يد زوجته من ماله ما زال تحت سيطرته، بينما تكون بعض المبالغ قد خرجت بالفعل من هذا الإطار وأصبحت تمليكًا واضحًا. لذلك، فالمهم دائمًا هو تحديد طبيعة المال: هل هو للبيت؟ أم للزوجة؟ أم خليط بين الاثنين يحتاج إلى توضيح؟ وهذا التوضيح في حد ذاته يقي الأسرة كثيرًا من الشكوك وسوء الظن.

متى لا يجوز لها ذلك؟
الأصل الذي قررته دار الإفتاء المصرية في فتواها الواضحة أن الزوجة إذا كان زوجها ينفق عليها وعلى أولادهما ما يكفي، فلا يحق لها أن تخفي شيئًا من ماله عنه أو تتصرف فيه بغير علمه وإذنه، لأنها أمينة على ماله، وحفظ المال من مقتضيات الأمانة الزوجية. وهذا الأصل ينطبق بوضوح إذا كان المال الذي في يدها مخصصًا للبيت فقط، وليس لها إذن بأخذ الفائض، ولا يوجد عرف معتبر بأن المتبقي لها. ففي هذه الحالة، لا يجوز أن تأخذ جزءًا منه لنفسها وتخفيه عن الزوج، ولو كانت نيتها الادخار أو التوفير، لأن حسن النية وحده لا يكفي لإباحة التصرف في مال ليس مملوكًا لها.
ومن هنا نفهم لماذا قالت التغطيات الحديثة إن الزوجة إذا أخذت من مصروف البيت دون علم زوجها في غير وجود عرف أو اتفاق، فعليها أن تخبره وتطلب منه السماح، لأن المال في أصله ليس حقًا خالصًا لها. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن البعض يخلط بين “أنا لم أسرق لأنني سأعيد المال أو لأنني أدخره للبيت” وبين الحكم الشرعي المتعلق بالأمانة. في باب الأمانات، لا يكفي أن تكون النية حسنة، بل لابد من مراعاة حق صاحب المال وعلمه أو إذنه.
ماذا لو كان الزوج مقصرًا أو بخيلًا؟
هنا يأتي الاستثناء المشهور الذي استدل فيه العلماء بحديث هند بنت عتبة رضي الله عنها حين شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شح أبي سفيان، فأذن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف. وهذا المعنى أكدته تقارير حديثة أيضًا نقلًا عن أمين الفتوى: إذا كان الزوج مقتدرًا لكنه يبخل أو يقصر في النفقة الواجبة على زوجته وأولاده، فيجوز لها أن تأخذ من ماله دون علمه بقدر الحاجة والضرورة فقط، لا بقدر الهوى أو الادخار أو التوسع، بل بالمعروف وبما يحقق الكفاية اللازمة.
وهذا التفصيل يحسم كثيرًا من الخلط. فالإذن هنا ليس مطلقًا، وليس مفتوحًا لكل صور الأخذ من وراء الزوج، بل مقيد بشروط واضحة: أن يكون الزوج قادرًا، وأن يكون مقصرًا في النفقة الواجبة، وأن يكون ما يؤخذ بقدر الحاجة، لا للتوسع ولا للانتقام ولا للادخار الشخصي. فإذا زاد الأخذ عن هذا الحد، خرج من الرخصة الشرعية وعاد إلى أصل المنع. لذلك، من الخطأ أن تُستعمل هذه الرخصة في غير موضعها أو أن تتحول إلى باب للتلاعب.
الفرق بين الادخار للبيت والادخار للنفس
من المسائل الدقيقة هنا أن بعض الزوجات قد تحتفظ بجزء من مصروف البيت لأنها ترى أن ذلك يفيد الأسرة لاحقًا عند الضيق أو المرض أو الطوارئ. وهذا قد يكون محمودًا من حيث المعنى العام إذا كان الزوج راضيًا به أو كان العرف قائمًا عليه. أما إذا لم يكن هناك رضا ولا علم ولا اتفاق، فإنه يظل من جهة الحكم متعلقًا بالأمانة. بمعنى أن الادخار للبيت لا يتحول تلقائيًا إلى مباح إذا كان صاحبه الأصلي لا يعلم ولا يرضى، إلا في الحالة الخاصة المتعلقة بتقصيره في النفقة الواجبة. ولهذا قال أمين الفتوى في أحد التصريحات المنقولة إن الواجب أن يحفظ الإنسان ماله ومال زوجه أيضًا، وأن المرأة التي يُرغب فيها للزواج من صفاتها أنها تحفظ زوجها في ماله.
وهنا تظهر حكمة الشريعة في بناء العلاقة الزوجية على الوضوح لا على الأسرار المالية الخفية. فالادخار إذا كان مفيدًا للأسرة، فالأصل أن يُبنى على التفاهم والثقة، لا على الإخفاء والريبة، لأن الحياة الزوجية تقوم على السكن والمودة، لا على إدارة مالية خفية من طرف واحد إلا عند الضرورة الشرعية المعتبرة.
لماذا تتكرر هذه المشكلة داخل البيوت؟
هذه المسألة لا تنشأ عادة من فراغ. أحيانًا يكون السبب غياب الاتفاق الواضح من البداية: هل المصروف الشهري كله للبيت؟ هل منه جزء شخصي للزوجة؟ هل الفائض يعود للزوج أم يبقى لها؟ وأحيانًا يكون السبب هو خوف الزوجة من طوارئ الأيام أو من بخل الزوج أو من عدم استقراره المالي. وأحيانًا يكون السبب طبيعة بعض البيوت التي اعتادت أن الزوجة “توفر من تحت إيدها” من غير نقاش. لكن المشكلة تبدأ حين يختلف فهم الطرفين لنفس المال: هو يراه مصروفًا محدد الغرض، وهي تراه حقًا لها إذا أحسنت التدبير. ولهذا فإن كثيرًا من الأزمات هنا يمكن حلها بكلمة صريحة واتفاق واضح، لا بفتوى مجردة فقط.
كيف يكون التصرف الصحيح شرعًا وعمليًا؟
التصرف الصحيح يبدأ من أمرين. الأول: تحديد طبيعة المال بوضوح، هل هو مال للبيت أم للزوجة أم فيه جزء من هذا وجزء من ذاك. والثاني: وجود اتفاق أو عرف واضح يمنع سوء الفهم. فإذا أراد الزوج أن يكون الفائض للزوجة فليخبرها بذلك، وإذا أراد أن يعود إليه أو أن يُستعمل في بند محدد فليبين هذا من البداية. وإذا شعرت الزوجة بالحاجة إلى الادخار للبيت، فالأفضل أن يكون ذلك بعلم زوجها أو في إطار عُرف معلوم بينهما، حتى يبقى باب الأمانة محفوظًا. أما إذا كان الزوج يظلم في النفقة أو يقصر مع قدرته، فهنا تبقى الرخصة الشرعية في أخذ ما يكفي بالمعروف قائمة، لكنها رخصة مضبوطة لا يصح التوسع فيها.
وفي النهاية، فإن جواب سؤال: هل يجوز للزوجة أخذ جزء من مصروف البيت دون علم زوجها؟ هو أن الأصل لا يجوز إذا كان المال مخصصًا للبيت ولم يوجد إذن أو عرف معتبر، لأن الزوجة مؤتمنة عليه. أما إذا كان هناك اتفاق أو عرف بأن ما يتبقى من مصروف البيت يكون لها، فلا حرج عليها في ذلك. وإذا كان الزوج مقصرًا في النفقة الواجبة مع قدرته، جاز لها أن تأخذ من ماله قدر الكفاية بالمعروف لا أكثر. هذه هي الصورة المتوازنة التي قررتها الفتوى المنقولة عن أمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية، وتؤيدها الفتوى العامة لدار الإفتاء في باب أخذ الزوجة من مال زوجها دون علمه.
ومن هنا، فإن المسألة ليست مجرد “توفير من مصروف البيت” ولا مجرد “فلوس من وراء الزوج”، بل هي مسألة أمانة وحقوق واتفاق وعِشرة. وكلما كان البيت أوضح في ترتيب أموره المالية، قلّت المشكلات وكثر الاطمئنان. لذلك يظل الحل الأفضل دائمًا هو الصراحة، والاتفاق، وحفظ الحقوق، حتى لا يتحول المال الذي خُصص للسكينة إلى سبب جديد للخلاف داخل الأسرة.
