تضم 55 ألف قطعة مصرية.. تفاصيل تصديق ماكرون على قانون إعادة الآثار من فرنسا
أعاد تصديق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون جديد لتسهيل إعادة القطع الأثرية والممتلكات الثقافية التي خرجت من بلدانها بطرق غير مشروعة فتح واحد من أهم الملفات التاريخية والثقافية في العالم، وهو ملف استرداد الآثار الموجودة في المتاحف الأوروبية، وعلى رأسها القطع المصرية التي تنتشر داخل عدد كبير من المؤسسات والمتاحف الفرنسية.
وتأتي أهمية هذا القانون لأنه لا يتعامل مع قضية الآثار باعتبارها ملفًا ثقافيًا فقط، بل باعتبارها قضية هوية وذاكرة تاريخية وحق أصيل للدول في استعادة ممتلكاتها التي خرجت خلال فترات سياسية واستعمارية معقدة. وقد وصفت تقارير فرنسية القانون بأنه تحول كبير في سياسة فرنسا تجاه الممتلكات الثقافية، لأنه يضع إطارًا عامًا لرد بعض القطع بدلًا من انتظار قانون خاص لكل حالة على حدة، وهو ما كان يجعل الإجراءات طويلة ومعقدة في السابق.
وأثار القانون اهتمامًا واسعًا في مصر، خاصة بعد الحديث عن وجود عشرات الآلاف من القطع المصرية داخل فرنسا. ووفق تصريحات نقلتها تقارير محلية، تضم فرنسا ما يقرب من 90 ألف قطعة أثرية إفريقية، بينها نحو 55 ألف قطعة مصرية، وهو رقم يعكس حجم الحضور المصري داخل المتاحف والمجموعات الفرنسية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة مهمة حول طريقة خروج هذه القطع، وما إذا كانت خرجت بصورة قانونية أم نتيجة نهب أو سرقة أو بيع قسري أو ظروف تاريخية غير عادلة.
ويقدم موقع ميكسات فور يو شرحًا تفصيليًا لأبعاد القانون الفرنسي الجديد، وما يمكن أن يعنيه بالنسبة لمصر، وكيف يمكن أن يتحول إلى فرصة جديدة لدراسة ملف القطع الأثرية المصرية الموجودة بالخارج بصورة قانونية وعلمية دقيقة.
ما الذي تغير في القانون الفرنسي الجديد؟
قبل هذا القانون، كانت إعادة أي قطعة أثرية موجودة في المجموعات العامة الفرنسية تحتاج غالبًا إلى تشريع خاص، لأن القانون الفرنسي يقوم على مبدأ عدم قابلية ممتلكات المتاحف العامة للتصرف بسهولة. وهذا كان يعني أن كل طلب استرداد قد يحتاج إلى مسار سياسي وتشريعي طويل، حتى لو ثبت أن القطعة خرجت من بلدها في ظروف غير قانونية أو غير عادلة.
أما القانون الجديد، فيحاول إنشاء آلية أكثر وضوحًا تسمح بالنظر في طلبات الاسترداد من خلال إجراءات محددة، بحيث لا يصبح كل ملف مضطرًا للمرور بنفس التعقيدات القديمة. وبحسب تقارير فرنسية ودولية، فإن القانون يستهدف الممتلكات الثقافية التي حصلت عليها فرنسا بطرق غير مشروعة، مثل النهب أو السرقة أو البيع تحت الإكراه، خلال الفترة الممتدة من 20 نوفمبر 1815 حتى 23 أبريل 1972، مع وجود استثناءات لبعض الفئات مثل بعض القطع العسكرية وبعض الآثار وفق ضوابط محددة.
وتكمن أهمية هذه الفترة الزمنية في أنها تغطي حقبة طويلة من التاريخ الاستعماري وما بعدها، كما أنها تسبق اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تعد مرجعًا مهمًا في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، لكنها لا تطبق بأثر رجعي على كثير من الوقائع القديمة. لذلك يرى متابعون أن القانون الفرنسي الجديد قد يسد جزءًا من الفجوة القانونية التي كانت تمنع بعض الدول من المطالبة بقطع خرجت قبل الاتفاقيات الدولية الحديثة.

لماذا يهم القانون مصر تحديدًا؟
تعد مصر واحدة من أكثر الدول التي تمتلك آثارًا منتشرة في متاحف العالم، بسبب ثراء حضارتها القديمة وكثرة البعثات الأجنبية التي عملت على أراضيها خلال القرنين الماضيين. وقد خرجت قطع كثيرة من مصر في ظروف مختلفة؛ بعضها خرج بتصاريح وقوانين كانت معمولًا بها في وقتها، وبعضها الآخر خرج عبر تهريب أو نهب أو بيع مشكوك فيه، وهو ما يجعل ملف الاسترداد معقدًا ويحتاج إلى دراسة حالة كل قطعة على حدة.
الحديث عن وجود نحو 55 ألف قطعة مصرية في فرنسا لا يعني تلقائيًا أن كل هذه القطع قابلة للاسترداد، لكنه يعني أن هناك رصيدًا ضخمًا يستحق الفحص والتوثيق. فالخطوة الأولى ليست المطالبة العامة، بل إعداد ملفات علمية وقانونية لكل قطعة أو مجموعة قطع، تتضمن تاريخ خروجها من مصر، وسلسلة انتقال ملكيتها، والظروف التي وصلت بها إلى المتحف أو المؤسسة الفرنسية.
وهنا تظهر أهمية تشكيل لجان متخصصة تضم أثريين وقانونيين ومؤرخين وخبراء في تتبع الملكية، لأن النجاح في استرداد أي قطعة لا يعتمد فقط على قيمتها التاريخية أو شهرتها، بل على القدرة على إثبات أنها خرجت بطريقة غير مشروعة أو في ظروف تندرج تحت معايير القانون الجديد. وقد أشارت تصريحات محلية إلى ضرورة تشكيل لجنة لدراسة أوضاع القطع المصرية بالخارج، وتحديد ما خرج بطرق شرعية أو غير شرعية، بما يسمح بالمطالبة بالاستعادة وفق القوانين الدولية.
هل يعني القانون عودة فورية للآثار المصرية؟
رغم أهمية القانون، فإن الحديث عن عودة فورية لعشرات الآلاف من القطع سيكون مبالغًا فيه. فالقانون لا يمنح عودة تلقائية، ولا يفتح أبواب المتاحف مرة واحدة، بل يضع إطارًا يمكن للدول أن تتحرك من خلاله إذا امتلكت أدلة قوية وملفات موثقة.
وبحسب ما نشرته وسائل فرنسية، فإن طلبات الاسترداد ستخضع لمراجعة علمية وقانونية من لجان مختصة قبل اتخاذ القرار، وهو ما يعني أن المسار سيظل دقيقًا وطويلًا، لكنه سيكون أوضح من السابق. القانون كذلك لا يلغي الحاجة إلى التفاوض الدبلوماسي والثقافي بين الدول، لأن ملف الآثار يرتبط دائمًا بالعلاقات الدولية والتعاون بين المتاحف والحكومات.
ومن المهم أيضًا التفرقة بين القطع التي خرجت من مصر في ظل قوانين قديمة كانت تسمح بتقسيم الاكتشافات بين البعثات الأجنبية والدولة المصرية، وبين القطع التي خرجت تهريبًا أو سرقة أو بطرق غير قانونية. فكل حالة سيكون لها مسار مختلف، وقد تكون بعض المطالب أسهل من غيرها إذا كانت الوثائق واضحة وتثبت الخروج غير المشروع.
ما أبرز القطع المصرية التي يثار حولها الجدل؟
عند الحديث عن الآثار المصرية في الخارج، تبرز دائمًا أسماء شهيرة مثل حجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي النصفي الموجود في برلين، ودائرة الأبراج في دندرة الموجودة في فرنسا. ورغم أن هذه القطع موزعة بين دول مختلفة، فإنها تمثل نماذج للجدل المستمر حول الممتلكات المصرية الموجودة في المتاحف الأوروبية.
وفي الحالة الفرنسية تحديدًا، تُذكر دائرة الأبراج في دندرة كثيرًا ضمن القطع التي يطالب بعض الأثريين المصريين بإعادة النظر في ظروف خروجها، خاصة أنها من القطع ذات القيمة التاريخية والرمزية الكبيرة. وقد أعاد القانون الفرنسي الجديد النقاش حول هذه الملفات، لأنه يوفر إطارًا جديدًا قد يسمح بتحريك مطالبات مدعومة بأدلة إذا ثبت أن خروج القطعة يندرج ضمن الحالات التي يغطيها القانون.
لكن مرة أخرى، لا يكفي أن تكون القطعة مصرية الأصل حتى تعود، بل يجب إثبات أن خروجها كان غير مشروع وفق المعايير القانونية المعتمدة. وهذا ما يجعل العمل البحثي والأرشيفي هو الأساس في أي مطالبة ناجحة.
ما دلالة تصديق ماكرون على القانون؟
تصديق ماكرون على القانون يحمل دلالة سياسية وثقافية مهمة، لأنه يأتي امتدادًا لتعهدات أطلقها منذ عام 2017 بشأن إعادة النظر في التراث الإفريقي الموجود داخل فرنسا. وقد ذكرت تقارير فرنسية أن القانون الجديد يمثل انتقالًا من الوعود العامة إلى إطار قانوني عملي يمكن استخدامه لمعالجة طلبات الاسترداد بصورة أكثر انتظامًا.
كما أن هذا التوجه يعكس تغيرًا أوسع في أوروبا تجاه قضايا التراث المنهوب، بعد سنوات من الضغوط التي مارستها دول إفريقية وآسيوية ومؤسسات ثقافية وحقوقية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بعرض القطع في المتاحف، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالعدالة التاريخية واحترام ذاكرة الشعوب.
ومع ذلك، فإن القانون الفرنسي لا يعني أن فرنسا ستتخلى بسهولة عن مجموعاتها، بل يشير إلى استعداد أكبر لفتح الملفات التي يمكن إثبات عدم شرعية خروجها، وفق إجراءات محددة وتحت إشراف لجان علمية. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الدول المطالبة، ومنها مصر، في إعداد ملفات قوية ومقنعة.
ما الخطوات المطلوبة من مصر؟
الخطوة الأهم أمام مصر هي بناء قاعدة بيانات دقيقة للقطع الموجودة في فرنسا، وربط كل قطعة بما يتوفر عنها من معلومات داخل الأرشيفات المصرية والفرنسية. فكلما كان الملف موثقًا، زادت فرص نجاح المطالبة.
ويحتاج الأمر إلى تعاون بين جهات متعددة، من بينها وزارة السياحة والآثار، والخبراء القانونيون، والباحثون في تاريخ البعثات الأجنبية، والمتخصصون في أرشيف المتاحف. كما يمكن الاستفادة من العلاقات الثقافية والدبلوماسية مع فرنسا لفتح قنوات تفاوض هادئة ومنظمة، بعيدًا عن الشعارات العامة التي لا تكفي وحدها لاستعادة القطع.
ومن المهم كذلك تحديد الأولويات، بحيث يتم البدء بالقطع الأكثر أهمية أو الأكثر وضوحًا من حيث مسار الخروج غير المشروع، بدلًا من فتح كل الملفات مرة واحدة دون ترتيب. فنجاح استرداد قطعة واحدة ذات قيمة كبيرة قد يفتح الباب أمام مطالبات أخرى ويمنح الملف المصري قوة أكبر.
بين الحق التاريخي والمسار القانوني
يمثل القانون الفرنسي الجديد فرصة مهمة للدول التي تمتلك تراثًا موجودًا داخل فرنسا، لكنه في الوقت نفسه يضع الملف داخل مسار قانوني صارم يحتاج إلى أدلة ووثائق وتعاون دولي. وبالنسبة لمصر، فإن وجود آلاف القطع المصرية في فرنسا يجعل هذا التطور بالغ الأهمية، لكنه لا يلغي صعوبة المهمة ولا يعفي من ضرورة الدراسة الدقيقة لكل قطعة.
فالآثار ليست مجرد مقتنيات فنية، بل شواهد على تاريخ وهوية وحضارة. لذلك فإن استعادة ما خرج بطرق غير مشروعة لا تعني فقط نقل قطعة من متحف إلى آخر، بل تعني إعادة جزء من الذاكرة إلى مكانها الطبيعي، مع الحفاظ على التعاون العلمي والثقافي بين الشعوب.
قانون فرنسي جديد يفتح بابًا مهمًا أمام ملف الآثار المصرية
تصديق ماكرون على قانون إعادة الممتلكات الثقافية يمثل خطوة بارزة في ملف استرداد الآثار، لأنه يمنح الدول إطارًا قانونيًا أوضح للتحرك، ويفتح الباب أمام مراجعة تاريخ القطع الموجودة في المتاحف الفرنسية، ومنها عشرات الآلاف من القطع المصرية.
ومع ذلك، تبقى عودة هذه القطع مشروطة بإعداد ملفات قوية تثبت طريقة خروجها، وبوجود تحرك مصري منظم يجمع بين البحث الأثري والدعم القانوني والتفاوض الدبلوماسي. وبين الأمل والحذر، يظل القانون الجديد فرصة لا يجب إهدارها لإعادة فتح ملف التراث المصري بالخارج بصورة أكثر جدية واحترافية.
ويستمر موقع ميكسات فور يو في متابعة ملف الآثار المصرية بالخارج، مع رصد أحدث التطورات المتعلقة بقوانين الاسترداد والتحركات الدولية لحماية التراث الثقافي.
