عاد الحديث من جديد عن بعض أكياس الشاي وما قد تحمله من خطر خفي لا ينتبه له كثير من الناس، خاصة بعد تزايد الدراسات التي تتناول مسألة تحرر الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ومتناهية الصغر من بعض أنواع الأكياس عند ملامستها للماء الساخن. الفكرة هنا لا تتعلق بالشاي نفسه، بل بمادة الكيس وطريقة تصنيعه، لأن بعض الأكياس المصنوعة من مواد بوليمرية أو مركبات تحتوي على البلاستيك قد تطلق جسيمات دقيقة أثناء التحضير، وهو ما دفع باحثين وجهات علمية إلى التحذير من الاستهانة بهذا المصدر اليومي للتعرض.
لكن في الوقت نفسه، من المهم جدًا أن تكون الصورة متوازنة. فوجود جسيمات أو مواد متحررة من بعض الأكياس لا يعني تلقائيًا أن كل كوب شاي يمثل خطرًا مؤكدًا على الصحة، كما لا يعني أن كل أنواع الأكياس متشابهة. بل إن النقاش العلمي الحالي يدور حول مستوى التعرض، ونوع المادة، وحجم الجسيمات، وما إذا كانت تسبب ضررًا فعليًا داخل جسم الإنسان، وهي أمور لا يزال البحث فيها مستمرًا، ولم تُحسم كلها بشكل نهائي حتى الآن.
وفي هذا التقرير يوضح ميكسات فور يو ما القصة الحقيقية وراء التحذير من بعض أكياس الشاي، وما الذي تقوله الأبحاث فعلًا، وما الحدود التي يجب أن نفهم بها هذا الموضوع بعيدًا عن التهويل أو التهوين.
ما المشكلة في بعض أكياس الشاي أصلًا؟
المشكلة تبدأ عندما تكون بعض أكياس الشاي مصنوعة من مواد بلاستيكية أو مركبات بوليمرية مثل النايلون أو البولي بروبيلين أو مواد مختلطة، لأن هذه المواد قد تتحلل جزئيًا أو تطلق جسيمات دقيقة جدًا عند تعرضها للماء الساخن. دراسة منشورة عام 2024 على أنواع تجارية من الأكياس وجدت أن بعض الأكياس المصنوعة من النايلون 6 والبولي بروبيلين والسليلوز أطلقت جسيمات دقيقة ومتناهية الصغر عند محاكاة تحضير الشاي، كما رصدت الدراسة تفاعل هذه الجسيمات مع خلايا بشرية مشتقة من الأمعاء في المختبر.
وهذا يعني أن الخطر المحتمل لا يأتي من أوراق الشاي نفسها، بل من العبوة التي تلامس الماء المغلي. وكلما كانت المادة أكثر عرضة لتحرير الجسيمات أو الشوائب، زاد الاهتمام العلمي بها. ولهذا فإن التحذير المنتشر الآن يتحدث عن بعض أكياس الشاي، وليس عن الشاي كله، لأن نوع المادة المستخدمة في الكيس هو جوهر القضية.
هل بالفعل تطلق بعض الأكياس جسيمات دقيقة؟
نعم، هذا ما أظهرته أكثر من دراسة. واحدة من أشهر الدراسات المبكرة، المنشورة عام 2019، وجدت أن كيس شاي بلاستيكي واحد يمكن أن يطلق أعدادًا هائلة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ومتناهية الصغر عند التحضير في درجات حرارة الشرب المعتادة. كما جاءت مراجعات علمية أحدث لتؤكد أن أكياس الشاي تعد من أهم مصادر الميكروبلاستيك والنانو بلاستيك في الشاي مقارنة بعوامل أخرى مثل مياه الإنتاج أو التغليف.
كما أن دراسة 2024 التي تناولت ثلاثة أنواع تجارية مختلفة لم تكتفِ برصد وجود الجسيمات، بل أشارت أيضًا إلى أن الأكياس البوليمرية قد تنتج تركيزات كبيرة من الجسيمات المتناهية الصغر في السائل الناتج عن التحضير. وهذه نقطة مهمة جدًا، لأنها تؤكد أن القضية لم تعد مجرد احتمال نظري، بل موضوعًا تجريبيًا تمت ملاحظته معمليًا في أكثر من مناسبة.

أين يكمن الخطر الصحي المحتمل؟
القلق العلمي هنا يرتبط بأن الميكروبلاستيك والنانو بلاستيك جسيمات صغيرة جدًا قد تدخل الجسم عبر الطعام والشراب، ولا يزال العلماء يحاولون فهم آثارها بعيدة المدى. ستانفورد ميديسن لخصت الوضع بوضوح حين أشارت إلى أن هذه الجسيمات أصبحت موجودة في الماء والطعام والهواء، بل وعُثر عليها في أنسجة وأعضاء بشرية مختلفة، لكن السؤال الأهم ما يزال: ما التأثير الحقيقي على الصحة على المدى الطويل؟ والجواب حتى الآن: توجد إشارات مقلقة، لكن الصورة ليست مكتملة بعد.
أما الدراسة المنشورة في 2024 عن أكياس الشاي، فقد أظهرت أن بعض الجسيمات المتحررة من الأكياس تم امتصاصها داخل أنواع من الخلايا البشرية المشتقة من الأمعاء في المختبر، وهو ما يعزز القلق من أن هذا النوع من التعرض قد لا يكون سطحيًا أو عابرًا فقط. لكن يجب الانتباه إلى أن هذه النتائج مختبرية، أي أنها لا تعني تلقائيًا أن شرب الشاي من هذه الأكياس يسبب مرضًا محددًا عند الإنسان، بل تعني أن هناك سببًا علميًا وجيهًا لمزيد من الحذر والدراسة.
هل الخطر مؤكد أم ما زال تحت البحث؟
هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا. الخطر المحتمل موجود، لكن الضرر الصحي المؤكد نهائيًا من شرب الشاي في هذه الأكياس لم يُحسم بعد. ستانفورد أشارت إلى أن العلم ما يزال يحاول فهم ما يعنيه وجود الميكروبلاستيك داخل الجسم، وأن كثيرًا من النتائج الحالية ما زالت في طور التقييم. بمعنى آخر: هناك مؤشرات تدعو للقلق، لكن لا توجد بعد إجابة نهائية بسيطة تقول إن هذا التعرض اليومي يؤدي حتمًا إلى مرض معين بنسبة واضحة.
بل إن المعهد الألماني الاتحادي لتقييم المخاطر BfR أصدر تقييمًا في أغسطس 2025 انتقد فيه بعض منهجيات الدراسات القديمة، وقال إن أرقام الجسيمات التي أوردتها إحدى الدراسات الشهيرة كانت على الأرجح مبالغًا فيها بشكل واضح، وإن كثيرًا مما تم عده قد لا يكون ميكروبلاستيك أصلًا بل نواتج تصنيع قصيرة السلسلة. كما ذكر أن المعطيات الحالية لا تقدم دليلًا على ضرر صحي مؤكد من الجسيمات الميكروية في الغذاء، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن البيانات لا تزال غير كافية لإغلاق الملف نهائيًا.
وهذا التباين بين الدراسات لا يعني أن التحذير بلا قيمة، بل يعني أن الموضوع حقيقي لكنه معقد. فبعض الأبحاث تؤكد وجود تحرر لجسيمات، وبعض الجهات التنظيمية تقول إن تقدير حجم الخطر لا يزال غير محسوم. وهذه بالضبط هي الصيغة الأمينة علميًا: هناك سبب وجيه للحذر، لكن ليس للذعر.
هل كل أكياس الشاي خطيرة؟
لا، ليس كل أكياس الشاي متشابهة. بعض الأكياس تكون من ورق أو ألياف نباتية، وبعضها من مركبات مختلطة، وبعضها من مواد بلاستيكية واضحة أو “أكياس حريرية” شفافة المظهر. والدراسات التي أثارت القلق ركزت أساسًا على الأكياس البوليمرية أو البلاستيكية، لا على كل الأكياس بلا استثناء. كما أن المراجعات العلمية الحديثة تؤكد أن مصدر الجسيمات الأهم في الشاي يكون غالبًا مادة الكيس نفسه عندما يكون مصنوعًا من البوليمرات أو يدخل فيها البلاستيك.
وهذا يعني أن المستهلك لا يحتاج إلى التوقف عن شرب الشاي تمامًا، بل يحتاج إلى أن يكون أكثر وعيًا بنوع العبوة. فهناك فرق بين شاي سائب تستخدم له مصفاة معدنية أو زجاجية، وبين شاي داخل كيس مصنوع من مادة غير معروفة، خاصة إذا كان الكيس ناعمًا جدًا ولامعًا أو شفافًا بطريقة توحي بوجود مكوّنات بلاستيكية.
لماذا يوصف الأمر بأنه “خطر خفي”؟
لأن المستهلك العادي غالبًا لا يرى المشكلة. هو يضع الكيس في الكوب، ويصب الماء الساخن، وينتظر دقائق، ثم يشرب. لا توجد رائحة غريبة، ولا طعم صادم، ولا شيء مرئي يوحي بأن هناك جسيمات دقيقة قد تحررت داخل المشروب. ولهذا توصف المسألة بأنها خطر خفي: ليس لأنها مؤكدة النتائج بصورة كارثية، بل لأنها قد تحدث بصمت ومن دون أن يشعر بها الشخص.
كما أن الشاي بالنسبة لكثيرين مشروب يومي متكرر، أي أن القضية هنا ليست مرتبطة بتجربة نادرة، بل بعادة قد تتكرر مرة أو مرتين أو أكثر يوميًا لسنوات. وحتى لو كان الخطر الفردي في كل كوب غير محسوم أو محدودًا، فإن التكرار الطويل هو ما يدفع العلماء والجهات الصحية إلى التعامل مع هذا الملف بجدية متزايدة.
ماذا يفعل الشخص لتقليل الخطر؟
الخطوة الأولى والأوضح هي اختيار الشاي السائب بدل الأكياس متى أمكن، مع استخدام مصفاة من الستانلس ستيل أو الزجاج أو مواد آمنة قابلة لإعادة الاستخدام. هذا الحل يزيل أصل المشكلة تقريبًا، لأنه يستبعد كيس الشاي نفسه من المعادلة. وقد ذهبت تقارير علمية وصحية حديثة إلى التوصية بهذا البديل بالذات لتقليل التعرض للجسيمات البلاستيكية من الأكياس.
الخطوة الثانية هي قراءة مكونات العبوة أو وصف المنتج إن كان متاحًا، والابتعاد قدر الإمكان عن الأكياس “الحريرية” أو الشفافة أو التي يشار إلى أنها مصنوعة من النايلون أو مواد بوليمرية. والخطوة الثالثة هي تفضيل المنتجات التي تعلن بوضوح أن أكياسها خالية من البلاستيك أو مصنوعة من ألياف نباتية أو ورقية فقط، مع العلم أن الادعاءات التسويقية نفسها قد تحتاج إلى تدقيق من علامة لأخرى.
هل يعني هذا التوقف عن الشاي؟
لا، ليس هذا هو المعنى. الشاي نفسه ليس موضع التحذير هنا، بل بعض الأكياس. وبالتالي فالفكرة الأساسية ليست حرمان الناس من الشاي، بل دفعهم إلى اختيار شكل أكثر أمانًا لتحضيره. وهذا فارق مهم جدًا. لأن بعض العناوين المثيرة قد تجعل الناس يظنون أن المشكلة في الشاي كله، بينما القضية العلمية الفعلية تدور حول مواد التعبئة والتحضير أكثر مما تدور حول المشروب ذاته.
ولهذا فإن التصرف الأكثر عقلانية ليس الذعر ولا الإنكار، بل تعديل بسيط في العادة اليومية: استخدام الشاي السائب، أو اختيار أنواع موثوقة بأكياس خالية من البلاستيك، أو على الأقل تقليل الاعتماد على الأكياس ذات المظهر البلاستيكي. وهذا النوع من التغيير البسيط قد يكون أكثر فائدة من الدخول في حالة خوف من كل كوب شاي.
ماذا تقول الخلاصة؟
الخلاصة أن بعض أكياس الشاي قد تطلق جسيمات دقيقة ومتناهية الصغر عند تعرضها للماء الساخن، خاصة إذا كانت مصنوعة من مواد بوليمرية مثل النايلون أو البولي بروبيلين، وقد أظهرت دراسات حديثة أن هذه الجسيمات يمكن رصدها معمليًا بل وتتفاعل مع خلايا بشرية في المختبر. لكن في المقابل، ما يزال حجم الضرر الصحي الحقيقي عند البشر تحت البحث، وهناك جهات علمية ترى أن بعض التقديرات القديمة مبالغ فيها وأن الأدلة النهائية على الضرر المباشر لم تُحسم بعد.
لذلك، فالرسالة الأهم ليست “توقف عن الشاي”، بل: انتبه لنوع الكيس. فإذا أردت تقليل الخطر الخفي، فاجعل الشاي السائب أو الأكياس الخالية من البلاستيك خيارك الأول. هذا أكثر هدوءًا وأكثر عقلانية من التهويل، وفي الوقت نفسه أكثر فائدة من تجاهل المسألة تمامًا.