رسوب جماعي في كليات «طب الصعيد» يكشف أزمة امتحانات الثانوية العامة
الكاتب : Maram Nagy

رسوب جماعي في كليات «طب الصعيد» يكشف أزمة امتحانات الثانوية العامة

لا تنسوا متابعة شبكة ميكسات فور يو عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة من خلال الروابط التالية :

أثارت النتائج المرتفعة للرسوب في عدد من كليات الطب بجامعات الصعيد حالة واسعة من الجدل خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تكرار الظاهرة داخل الفرق الأولى، ووجود فارق واضح بين المجاميع المرتفعة التي حصل عليها بعض الطلاب في الثانوية العامة وبين نتائجهم داخل الكليات الطبية.

وتجدد النقاش بصورة أكبر خلال يوليو 2026، بعد الكشف عن رسوب 65.77% من طلاب الفرقة الأولى بكلية طب وجراحة الفم والأسنان بجامعة سوهاج، مقابل نجاح 34.23% فقط، وهي نتيجة أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول مستوى الطلاب عند الانتقال من الثانوية العامة إلى الدراسة الجامعية، ومدى قدرة نظام القبول الحالي على قياس الاستعداد الحقيقي لدراسة الطب.

رسوب طلاب طب الصعيد يثير التساؤلات

لا تبدو واقعة جامعة سوهاج منفصلة عن سياق أوسع، إذ شهدت كليات طبية في صعيد مصر خلال السنوات الماضية نسب رسوب مرتفعة بين طلاب الفرق الأولى.

وبحسب بيانات وتقارير منشورة، شهدت كلية الطب بجامعة سوهاج نسب رسوب مرتفعة في أكثر من عام، كما سجلت كلية الطب بجامعة جنوب الوادي وكلية الطب بجامعة أسيوط نتائج أثارت تساؤلات مماثلة حول أسباب تعثر الطلاب بعد انتقالهم من الثانوية العامة إلى الجامعة.

وتكمن المفارقة في أن الطلاب المقبولين في كليات الطب عادة ما يكونون من أصحاب المجاميع المرتفعة في الثانوية العامة، وبالتالي فإن وجود رسوب جماعي داخل السنة الأولى يفتح الباب أمام مناقشة طبيعة التعليم والامتحانات في المرحلتين.

ماذا حدث في طب سوهاج؟

كشفت نتيجة الفرقة الأولى بكلية طب وجراحة الفم والأسنان بجامعة سوهاج عن رسوب 65.77% من الطلاب، بينما بلغت نسبة النجاح 34.23%.

وتكتسب النتيجة أهمية إضافية عند مقارنتها بنتيجة الفرقة الثانية في الكلية نفسها، والتي سجلت نسبة نجاح بلغت 86.85%، وفق ما نشرته تقارير حديثة عن نتائج الكلية.

وهذا الفارق الكبير بين أداء طلاب الفرقة الأولى والفرقة الثانية يدفع إلى طرح سؤال أساسي: هل تكمن المشكلة في طبيعة الانتقال من الثانوية العامة إلى الدراسة الجامعية، أم في مستوى الطلاب أنفسهم، أم في طبيعة المناهج والامتحانات الطبية؟

ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال نتيجة واحدة فقط، لكن تكرار الظاهرة في أكثر من كلية وعلى مدار سنوات يجعلها قضية تستحق الدراسة.


سوابق في كليات الطب بالصعيد

شهدت كلية الطب البشري بجامعة سوهاج في سنوات سابقة نسب رسوب مرتفعة بين طلاب الفرقة الأولى.

وتشير بيانات منشورة إلى أن نسبة الرسوب في الكلية وصلت إلى نحو 61% في إحدى النتائج، كما ارتفعت النسبة في نتيجة أخرى إلى نحو 75% خلال الفصل الدراسي الأول، وهو ما جعل القضية تتحول إلى ظاهرة محل نقاش داخل الأوساط التعليمية والإعلامية.

كما شهدت كلية الطب بجامعة أسيوط في عام 2023 رسوب 720 طالبًا من أصل 1207 طلاب خاضوا الاختبارات، بنسبة بلغت نحو 60%، بينما شهدت كلية الطب بقنا التابعة لجامعة جنوب الوادي نسب رسوب مرتفعة أيضًا في نتائج سابقة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لا ترتبط بجامعة واحدة فقط، وإنما ظهرت في عدد من الكليات الطبية داخل الصعيد.

هل السبب هو امتحانات الثانوية العامة؟

أحد أبرز التفسيرات التي ظهرت خلال السنوات الماضية هو وجود فجوة بين الدرجات التي يحصل عليها بعض الطلاب في الثانوية العامة ومستواهم الفعلي عند دخول الجامعة.

وارتبط هذا النقاش بوقائع الغش الجماعي التي شهدتها بعض لجان امتحانات الثانوية العامة في محافظات مختلفة، وما أثير وقتها حول حصول مجموعات من الطلاب على درجات مرتفعة بصورة أثارت الشكوك.

لكن من المهم عدم اعتبار كل طالب رسب في كلية الطب غشاشًا، لأن الرسوب قد يكون له أسباب عديدة، من بينها صعوبة المناهج الطبية، وطبيعة الامتحانات، وعدم التكيف مع الدراسة الجامعية، والضغط النفسي، إلى جانب اختلاف نظام التقييم بين المدرسة والجامعة.

ولهذا فإن الربط بين الرسوب والغش يجب أن يستند إلى وقائع وتحقيقات محددة، وليس إلى مجرد الاستنتاج من النتيجة.

«لجان الأكابر» وعلاقتها بالجدل

عادت في السنوات الماضية إلى الواجهة قضية ما عرف إعلاميًا بـ«لجان الأكابر»، بعد ظهور نتائج مرتفعة بصورة لافتة في بعض لجان امتحانات الثانوية العامة، خاصة في عدد من مناطق الصعيد.

وأثارت هذه الوقائع تساؤلات حول تكافؤ الفرص وعدالة الامتحانات، خاصة عندما يحصل عدد كبير من الطلاب في لجنة واحدة أو من نطاق اجتماعي واحد على درجات مرتفعة.

وفي هذا السياق، اتخذت وزارة التربية والتعليم خلال السنوات السابقة إجراءات لضبط عمليات تحويل الطلاب بين المدارس، ومراجعة بعض التحويلات في مرحلة الثانوية العامة، بهدف الحد من الممارسات التي قد تؤثر في تكافؤ الفرص.

تصريحات سابقة حول أزمة طلاب الطب

سبق أن أثارت أزمة رسوب طلاب الطب في الصعيد تصريحات من مسؤولين جامعيين، ركزت على وجود اختلاف في مستوى الطلاب المقبولين مقارنة بأجيال سابقة.

وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام خلال مناقشة أزمة طب سوهاج، أشار رئيس الجامعة في ذلك الوقت إلى وجود طلاب يعانون ضعفًا شديدًا في المهارات الأساسية، رغم التحاقهم بكلية الطب.

كما أكد أن الجامعة لا تتدخل في نتائج الامتحانات، وأن أعمال التصحيح تتم وفق قواعد وضوابط أكاديمية.

وتعكس هذه التصريحات جانبًا من المشكلة، وهو أن الحصول على مجموع مرتفع في الثانوية العامة لا يعني بالضرورة امتلاك الطالب جميع المهارات التي يحتاجها لدراسة الطب.

الطب ليس مجرد مجموع مرتفع

تعد كليات الطب من أكثر الكليات التي تتطلب قدرة كبيرة على الاستيعاب والتحليل والدراسة المستمرة.

فالطالب لا يواجه في الجامعة امتحانًا واحدًا يحدد مستقبله، وإنما يدخل في منظومة تعليمية تعتمد على تراكم المعلومات وربط العلوم الأساسية بالتطبيقات الطبية.

ومن هنا يمكن أن يواجه الطالب الذي اعتاد الاعتماد على الحفظ أو الحصول على درجات مرتفعة من خلال نمط امتحاني محدد صعوبة في التأقلم مع متطلبات الدراسة الجامعية.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي تحميل الطالب وحده مسؤولية المشكلة، لأن جودة التعليم والاختبارات وآليات القبول كلها عناصر مترابطة.

الفرق بين الثانوية العامة وكلية الطب

تختلف طبيعة الدراسة في الثانوية العامة بشكل كبير عن الدراسة في كلية الطب.

ففي المدرسة يركز الطالب على مجموعة محددة من المناهج، ويستعد لامتحانات لها نظام معروف، بينما تتطلب كلية الطب ساعات دراسة أطول وقدرة على التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات.

كما تعتمد الدراسة الطبية على فهم العلاقات بين أجزاء مختلفة من العلوم، إلى جانب التدريب العملي والقدرة على تطبيق المعلومات.

ولهذا فإن الانتقال المفاجئ من نظام دراسي إلى آخر قد يكون صعبًا على بعض الطلاب، حتى لو كانوا من أصحاب الدرجات المرتفعة.

هل الرسوب الجماعي دليل على وجود غش؟

لا يمكن اعتبار الرسوب الجماعي وحده دليلًا قاطعًا على أن الطلاب دخلوا الكليات بالغش.

فهناك عوامل أخرى يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع نسب الرسوب، مثل صعوبة الامتحانات، واختلاف أساليب التدريس، وعدم كفاية الاستعداد، وارتفاع أعداد الطلاب، والضغط الأكاديمي.

لكن تكرار وجود فجوة كبيرة بين درجات الثانوية العامة والنتائج الجامعية يستحق التحقيق والدراسة، خاصة إذا ظهر بصورة متكررة في السنوات نفسها أو المناطق نفسها.

وهنا تأتي أهمية البيانات الرسمية والتحليل الأكاديمي بدلًا من الاكتفاء بالاتهامات أو التعميم.

أزمة القبول في كليات الطب

تطرح الظاهرة أيضًا سؤالًا حول نظام القبول في كليات الطب، وهل يكفي مجموع الثانوية العامة وحده لاختيار الطلاب القادرين على دراسة تخصص بهذه الحساسية.

فالمجموع يعكس أداء الطالب في امتحانات الثانوية، لكنه لا يقيس بالضرورة جميع المهارات المطلوبة لدراسة العلوم الطبية.

ولهذا يرى بعض المتخصصين أن تطوير نظام القبول قد يكون أحد الحلول المطروحة، بشرط أن يتم تصميم أي اختبارات إضافية وفق قواعد واضحة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص.

لماذا تظهر المشكلة في السنة الأولى؟

تعد السنة الأولى مرحلة انتقالية مهمة، إذ ينتقل الطالب من التعليم المدرسي إلى بيئة جامعية أكثر اعتمادًا على المذاكرة الذاتية.

كما أن المناهج الطبية تختلف في حجمها وطريقة تنظيمها، وهو ما قد يؤدي إلى تعثر عدد من الطلاب في البداية.

وتكرار ارتفاع نسب الرسوب في السنة الأولى تحديدًا قد يشير إلى وجود فجوة بين المهارات التي يكتسبها الطالب في المدرسة وتلك التي يحتاجها في الجامعة.

لكن هذه الفرضية تحتاج إلى دراسات علمية مقارنة بين الطلاب والجامعات قبل الوصول إلى استنتاج نهائي.

هل المشكلة في صعوبة امتحانات الطب؟

يرى المدافعون عن تشديد الامتحانات الطبية أن مستوى التقييم يجب أن يكون مرتفعًا، لأن الطالب الذي سيتحول مستقبلًا إلى طبيب يجب أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة والمهارات التي تضمن سلامة المرضى.

وفي المقابل، فإن ارتفاع نسب الرسوب بصورة كبيرة يستوجب أيضًا مراجعة مدى ملاءمة الامتحانات لأهداف المقرر، ومستوى التدريس، وطريقة توزيع الدرجات.

فالهدف ليس تحقيق نسب نجاح مرتفعة بأي ثمن، كما أنه ليس جعل الرسوب الجماعي دليلًا على قوة الامتحان، وإنما الوصول إلى تقييم عادل يقيس المستوى الحقيقي للطلاب.

ماذا تحتاج منظومة التعليم؟

تحتاج معالجة الأزمة إلى النظر في سلسلة التعليم كاملة، بداية من الثانوية العامة ووصولًا إلى الجامعة.

ويأتي على رأس ذلك ضمان نزاهة امتحانات الثانوية العامة، وتشديد الرقابة على وسائل الغش الحديثة، وتحقيق تكافؤ الفرص بين الطلاب.

كما تحتاج الجامعات إلى توفير برامج دعم للطلاب الجدد، ومساعدتهم على الانتقال من التعليم المدرسي إلى الدراسة الطبية، مع مراجعة نظم الامتحانات بصورة دورية.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون نتائج الرسوب موضوعًا للتحليل العلمي وليس مجرد أرقام تستخدم لتبادل الاتهامات بين المدرسة والجامعة.

أهمية مواجهة الغش في الثانوية العامة

إذا ثبت وجود حالات غش أثرت في نتائج الطلاب، فإن التعامل معها يجب أن يكون حاسمًا، لأن آثارها لا تتوقف عند لحظة إعلان نتيجة الثانوية.

فالدرجة التي يحصل عليها الطالب في الثانوية تحدد إلى حد كبير الكلية التي يستطيع الالتحاق بها، وبالتالي فإن أي خلل في الامتحان قد يؤثر في فرص طالب آخر حصل على درجاته بصورة عادلة.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق الأمر بكليات تحتاج إلى مستوى علمي مرتفع مثل الطب.

ماذا يعني رسوب طلاب الطب للصحة والتعليم؟

تتجاوز القضية حدود الجامعة، لأن إعداد الطبيب يرتبط بصورة مباشرة بجودة الخدمات الصحية مستقبلًا.

ولهذا فإن الحفاظ على معايير أكاديمية حقيقية داخل كليات الطب أمر لا يمكن التهاون فيه، وفي الوقت نفسه يجب التأكد من أن الطالب الذي يصل إلى الكلية قد مر بعملية قبول عادلة تقيس قدراته بصورة حقيقية.

وهذا يجعل إصلاح امتحانات الثانوية العامة وتطوير نظام القبول الجامعي جزءًا من منظومة واحدة، وليست قضيتين منفصلتين.

رسوب جماعي أم أزمة تعليمية؟

تكشف نتائج كليات طب الصعيد أن ظاهرة الرسوب المرتفع، خصوصًا في السنوات الأولى، تحتاج إلى دراسة أكثر عمقًا.

فالبيانات المنشورة عن سوهاج وأسيوط وقنا تشير إلى تكرار الظاهرة، بينما تختلف نسب الرسوب من عام إلى آخر ومن كلية إلى أخرى.

ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في سبب واحد، سواء كان الغش في الثانوية العامة أو صعوبة الدراسة الطبية، لأن الحقيقة قد تكون مزيجًا من عدة عوامل.

لكن المؤكد أن الفجوة بين نتائج الثانوية العامة والأداء الجامعي تستحق اهتمام الجهات التعليمية، خاصة عندما تتكرر بصورة واضحة.

مستقبل تنسيق طلاب الثانوية العامة

تطرح هذه الأزمة سؤالًا مهمًا أمام منظومة تنسيق الجامعات، خاصة مع استمرار الاعتماد بدرجة كبيرة على مجموع الثانوية العامة في تحديد فرص الطلاب.

وقد يكون من الضروري مستقبلًا بحث أدوات إضافية لقياس استعداد الطلاب للتخصصات شديدة التخصص، مع ضمان ألا تتحول هذه الأدوات إلى وسيلة جديدة لعدم تكافؤ الفرص.

كما يجب تطوير التعليم الثانوي نفسه ليصبح أكثر اعتمادًا على الفهم والتحليل والمهارات، بدلًا من التركيز المفرط على الحصول على أعلى مجموع.

رسوب طلاب طب الصعيد يفتح ملف الثانوية العامة

في النهاية، فإن ارتفاع نسب الرسوب في عدد من كليات الطب بصعيد مصر لا يمثل دليلًا منفردًا على وجود غش في الثانوية العامة، لكنه يكشف عن فجوة تستحق الدراسة بين مرحلة التعليم الثانوي والتعليم الجامعي.

وتوضح النتائج المتكررة في سوهاج وأسيوط وقنا أن الأمر ليس واقعة عابرة يمكن تجاهلها، خاصة عندما تظهر النسب المرتفعة بصورة متكررة بين طلاب السنوات الأولى.

وتبقى معالجة الأزمة مرتبطة بضمان نزاهة امتحانات الثانوية العامة، وتحسين جودة التعليم، وتطوير طرق القبول والتقييم، إلى جانب توفير الدعم الأكاديمي للطلاب خلال الانتقال إلى الجامعة.

فالهدف الحقيقي لا ينبغي أن يكون زيادة نسب النجاح أو الرسوب، وإنما التأكد من أن الطالب الذي يحصل على مقعد في كلية الطب يمتلك بالفعل المعرفة والمهارات والاستعداد اللازم لاستكمال الدراسة والتخرج طبيبًا مؤهلًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق الطلاب المجتهدين في نظام تعليمي عادل وشفاف.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول