ما حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم؟
الكاتب : Maram Nagy

ما حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم؟

يثير هذا السؤال اهتمامًا واسعًا بين كثير من الصائمين، خاصة مع طول ساعات الصيام عند بعض الناس، أو وجود أعمال يومية شاقة، أو رغبة بعض المرضى وأصحاب المجهود البدني في البحث عن وسيلة تساعدهم على تحمل الصوم بصورة أفضل. ومن هنا يتكرر السؤال بصيغ متعددة: هل يجوز تناول دواء أو عقار في وقت السحور يمد الجسم بالطاقة، أو يقلل الإحساس بالجوع والعطش، أو يساعد الصائم على استكمال يومه دون مشقة كبيرة؟ والإجابة الرسمية التي أعلنتها دار الإفتاء المصرية جاءت واضحة في هذه المسألة، إذ قررت أن تناول بعض الأدوية والعقاقير المباحة شرعًا في وقت السحور أو قبله أو بعده أو بدلًا عنه جائز، ما دام ذلك قبل دخول الفجر الصادق، وتحت إشراف الأطباء المختصين، ولم يترتب عليه ضرر على الصائم.

وتنبع أهمية هذه الفتوى من أنها تعالج مسألة واقعية جدًا، لأن بعض الناس لا يتناولون هذه الأدوية بقصد التداوي من مرض محدد فقط، بل بغرض التقوية وتقليل التعب، أو لتخفيف الشعور بالجوع والعطش خلال ساعات النهار. وقد أوضحت دار الإفتاء أن الحكم في هذه الحالة لا يتعلق بكون الدواء “للتقوية” أو “للعلاج” فقط، بل يتعلق أولًا بوقت تناوله، وثانيًا بسلامة استعماله من الناحية الطبية، وثالثًا بألا يترتب عليه ضرر صحي أو اعتداء على مقصود الصوم أو العبث بالجسد.

الأصل الشرعي في الأكل والشرب قبل الفجر

القاعدة العامة في الشريعة أن المسلم يجوز له أن يأكل ويشرب ويتناول ما يحتاجه من المباحات من بعد غروب الشمس حتى طلوع الفجر. وقد قررت دار الإفتاء ذلك بوضوح، موضحة أن وقت الإمساك الحقيقي يبدأ بطلوع الفجر الصادق، لا قبل ذلك، وأن ما كان قبل الفجر من طعام أو شراب أو دواء مباح يدخل في هذا الأصل العام. كما أوضحت في فتوى أخرى أن من أراد الصيام يباح له الأكل والشرب وكل ما يفعله المفطر من بعد الغروب إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر وجب عليه الإمساك.

ومن هنا، فإن تناول الدواء في السحور لا يخرج عن هذا الأصل، لأنه يتم في الوقت الذي أذن الشرع فيه بالأكل والشرب أصلًا. ولهذا لم ترَ دار الإفتاء مانعًا من تناول الدواء في هذا الوقت، سواء كان قبل السحور أو مع السحور أو حتى بدلًا عن السحور، بشرط أن يكون قبل الفجر. والنتيجة هنا واضحة: ما دام الدواء أُخذ قبل الفجر، فهو لا يفسد الصوم من جهة التوقيت، لأن الصيام لم يبدأ بعد.

هل الفرق بين دواء للعلاج ودواء للتقوية مؤثر في الحكم؟

الفتوى التي نشرتها دار الإفتاء تناولت صورة قريبة جدًا من هذا السؤال، إذ تحدثت عن شخص يتناول دواء مع السحور يمد الجسم بالطاقة والنشاط ويقلل من الشعور بالجوع والعطش. ومع ذلك لم تعتبر الدار هذا الوصف وحده مانعًا شرعيًا، بل جعلت المعيار هو الإباحة الطبية والشرعية، وأن يكون الدواء مباحًا، وأن يؤخذ قبل الفجر، وألا يترتب على تناوله ضرر. وهذا يعني أن كون الدواء “مقويًا” أو “مخففًا للإحساس بالجوع” لا يجعله محرمًا بمجرد هذا الوصف، ما دام في الإطار المباح شرعًا والصحيح طبيًا.

لكن هذا لا يعني فتح الباب لكل شيء دون ضابط، لأن دار الإفتاء ربطت الجواز بعبارة مهمة جدًا: تحت إشراف الأطباء المختصين. وهذه العبارة تقطع الطريق على الاستعمال العشوائي للمقويات أو العقاقير أو الأدوية التي قد تضر بالصائم أو ترهق جسده أو تؤثر في وظائفه الحيوية. فالشرع هنا لا يمنع العلاج أو التقوية من حيث الأصل، لكنه لا يبيح للإنسان أن يعبث بصحته أو يتناول أدوية من تلقاء نفسه بلا علم أو متابعة.

شرط السلامة الطبية وعدم الضرر

أحد أهم القيود التي أكدت عليها دار الإفتاء هو شرط عدم ترتب الضرر. فحتى لو كان الدواء يؤخذ قبل الفجر، وحتى لو كان في أصله مباحًا، فإن الحكم يختلف إذا ثبت طبيًا أنه يضر الصائم أو يؤدي إلى مضاعفات أو يرهق الجسد على نحو غير مأمون. وقد أعادت الدار هذا المعنى في أكثر من موضع، منها فتاوى تتعلق بتناول أدوية مرضى السكري أو أصحاب الأمراض المزمنة، حيث أوضحت أن المريض إذا أمكنه تنظيم العلاج قبل الفجر وبعد الإفطار دون ضرر فعليه أن يصوم، أما إذا كان تأخير الدواء يضره فعليه أن يأخذ العلاج ويترك الصوم.

وهذا المعنى مهم جدًا في سؤال “دواء التقوية” تحديدًا، لأن بعض الناس قد يظنون أن أي دواء أو مكمل أو منشط يمكن استعماله لمجرد احتمال أنه سيجعل الصيام أسهل. بينما الحقيقة أن بعض المواد قد ترفع ضغط الدم، أو تؤثر في القلب، أو تسبب اضطرابًا في السكر، أو تزيد الجفاف بدلًا من أن تقلله، أو ترهق الكبد والكلى إذا استُعملت بلا حاجة ولا إشراف. ولذلك كان القيد الطبي حاضرًا بقوة في الفتوى، لأن الغاية ليست مجرد احتمال المشقة، بل سلامة البدن مع صحة العبادة.

هل يجوز تناول الدواء بدل السحور؟

من اللافت في فتوى دار الإفتاء أنها لم تكتفِ بذكر جواز تناول الدواء “مع السحور”، بل ذكرت أيضًا أنه يجوز قبله أو بعده أو بدلًا عنه ما دام ذلك قبل الفجر. وهذا التفصيل له دلالة مهمة، وهي أن الشريعة لا تشترط أن يكون الدواء جزءًا من الطعام نفسه، بل العبرة بوقت تناوله وبسلامة استعماله. وبالتالي، إذا احتاج شخص إلى أخذ دوائه أو مكمله أو عقاره قبل الفجر في وقت لا يأكل فيه سحورًا كاملًا، فإن هذا من حيث الحكم العام لا حرج فيه إذا توفرت الشروط السابقة.

لكن مع ذلك، يبقى السحور نفسه سنة مباركة وله قيمته الغذائية والبدنية، ولهذا فإن الفهم الصحيح للمسألة ليس أن يترك الإنسان السحور بلا سبب ويعتمد فقط على العقاقير، بل أن من احتاج طبيًا إلى ذلك أو كانت هذه طريقته في تنظيم العلاج فلا حرج عليه. أما من جهة الأفضلية الصحية، فالأطباء عادة ينصحون بأن يكون الدواء ضمن نظام غذائي متوازن في السحور، لا أن يكون بديلًا دائمًا عن الطعام من غير حاجة. وهذا جانب طبي أكثر منه فقهي، لكنه ينسجم مع روح الفتوى التي تربط الجواز بعدم الضرر والإشراف الطبي.

متى يصبح تناول الدواء غير جائز أو سببًا للإفطار؟

الضابط الأساسي هنا أن الدواء إذا أُخذ قبل الفجر فلا يفسد الصوم، أما إذا احتاج الصائم إلى تناوله نهارًا بعد طلوع الفجر، فهنا تتغير المسألة. فإذا كان من المرضى الذين يحتاجون العلاج مرة أو مرتين ويمكنهم أخذه قبل الفجر وبعد الإفطار دون ضرر، فعليهم الصيام. أما إذا كان تأخير الحبوب أو العلاج إلى ما بعد المغرب يسبب ضررًا معتبرًا، فحينئذٍ يجوز له أن يفطر ويأخذ دواءه، لأن حفظ النفس مقدم، والشرع لا يكلّف الإنسان ما فيه هلاك أو ضرر بالغ.

وهذا التفصيل مهم لأن بعض الناس قد يخلط بين “الجواز قبل الفجر” و”الجواز مطلقًا”. بينما دار الإفتاء فرقت بوضوح بين من يمكنه تنظيم دوائه حول وقت الصوم، وبين من لا يمكنه ذلك إلا بضرر. ففي الحالة الأولى يصوم مع أخذ دوائه ليلًا، وفي الثانية يُرخّص له في الفطر إذا قرر الطبيب المختص أن الصوم مع ترك الدواء أو تأخيره يسبب له ضررًا.

الفرق بين الرخصة الشرعية والتحايل على الصوم

من المهم أيضًا أن يفهم المسلم أن فتوى الجواز هنا ليست بابًا للتحايل على الصيام أو للبحث عن “وسيلة سحرية” لإلغاء مشقة العبادة تمامًا. فالصيام في أصله عبادة فيها مجاهدة للنفس واحتمال للجوع والعطش بقدر معتدل. لكن الشريعة في الوقت نفسه لا تمنع الإنسان من السحور، ولا من شرب الماء، ولا من تناول ما يقويه قبل الفجر، بل جعلت ذلك كله من المباحات، بل ومن السنن في حال السحور. ولذلك لا تعارض بين أن يصوم المسلم صومًا صحيحًا، وأن يتناول قبل الفجر ما يعينه على هذه العبادة من طعام أو شراب أو دواء مباح نافع.

أما التحايل المرفوض فهو أن يدخل الإنسان في تناول أدوية أو منشطات أو مواد مجهولة أو ضارة لمجرد الهروب من معنى الصيام، أو أن يستعمل ما يؤذيه بدعوى “التقوية”، أو أن يتجاهل نصيحة الطبيب. فمثل هذا لا يدخل في الرخصة، بل قد يوقع صاحبه في الضرر أو سوء الاستعمال، وهو ما حذرت منه الفتوى حين اشترطت الإشراف الطبي وعدم الضرر.

الخلاصة الشرعية

الخلاصة التي قررتها دار الإفتاء المصرية في هذه المسألة يمكن تلخيصها بوضوح في نقاط ثلاث:
أولًا: يجوز تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم أو لتخفيف الجوع والعطش أو للنشاط، ما دام ذلك قبل طلوع الفجر الصادق.
ثانيًا: هذا الجواز مشروط بأن يكون الدواء مباحًا شرعًا، وتحت إشراف طبي مختص.
ثالثًا: ألا يترتب على استعماله ضرر صحي على الصائم، فإن ترتب الضرر أو تعيّن الدواء نهارًا بحيث لا يمكن تأخيره بلا ضرر، أخذ المريض برخصة الفطر على وفق حالته وتقدير الأطباء.

وعليه، فإن من سأل: ما حكم تناول دواء في سحور رمضان لتقوية الصائم؟ فالإجابة: يجوز شرعًا إذا كان قبل الفجر، وبإشراف الطبيب، ومن غير ضرر. وهكذا يجمع المسلم بين صحة العبادة وحفظ البدن، دون إفراط ولا تفريط.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول